لو غابت الجنة كيف يكون العدل ؟بقلم :د : عبدالله حسن الحجازى
يتساءل بعض الناس سؤالًا فلسفيًا: ماذا لو لم يخلق الله الجنة أصلًا؟ أو ماذا لو خلق النار وحدها، فيعذب العصاة والمذنبين مدةً ثم تنتهي حياتهم إلى العدم؟ بل ماذا لو لم يخلق الجنة ولا النار، وانتهت رحلة الإنسان بالموت؟ هل كان ذلك ينافي العدل الإلهي؟
قد تبدو هذه الأسئلة غريبة، لكنها تقود إلى حقيقة عظيمة، وهي أن الله سبحانه غني عن خلقه، فلا تنفعه طاعة الطائعين، ولا تضره معصية العاصين. قال تعالى: ﴿إِن تَكْفُرُوا أَنتُمْ وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾. وفي الحديث القدسي: «يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئًا، ولو كانوا على أفجر قلب رجل واحد ما نقص ذلك من ملكي شيئًا.»
لو شاء الله أن يخلق البشر ثم يفنيهم جميعًا بعد انتهاء أعمارهم، لما كان ذلك ظلمًا؛ لأن أحدًا لا يملك حقًا على الله يطالبه به، فهو سبحانه المالك الحق، يتفضل بما يشاء ويحكم بما يشاء، ولا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون.
ولو شاء أن يجعل النار وحدها دار الجزاء، ثم تنتهي العقوبة بالفناء، لكان ذلك عدلًا في حق من استحق العقاب، لكنه سبحانه لم يرد أن يظهر عدله فقط، بل أراد أن يظهر كذلك رحمته وكرمه وإحسانه.
إن الجنة ليست دليلًا على أن الله محتاج إلى مكافأة عباده، بل دليل على سعة فضله. ولهذا قال النبي ﷺ: «لن يدخل أحدٌ منكم الجنة بعمله.» قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل.»
ولو لم تكن هناك جنة، فأين يذهب صبر الأنبياء؟ وأين جزاء الشهداء؟ وأين دموع المظلومين التي سالت ولم تجد إنصافًا في الدنيا؟ وأين من عاش عمره يعبد الله في السر والعلن؟ إن العدل يقتضي ألا يستوي المحسن والمسيء، كما قال تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ . مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾.
وفي المقابل، لو لم تكن هناك نار، فأين حق المظلوم ممن ظلمه؟ وأين جزاء من سفك الدماء، وأفسد في الأرض، واستهزأ بالحق، ومات دون توبة؟ إن إلغاء العقوبة ليس رحمة، بل قد يكون ظلمًا للمظلومين.
لهذا كان وجود الجنة والنار معًا هو الصورة الأكمل لتمام الحكمة الإلهية؛ فالنار مظهر للعدل، والجنة مظهر للفضل، والله سبحانه جمع بين العدل والرحمة، وبين الحساب والإحسان، وبين الجزاء والكرم.
إن أعظم ما يلفت النظر أن الله لا يحتاج إلى أحد من خلقه، فلا تزداد خزائنه بطاعة، ولا تنقص بمعصية. نحن المحتاجون إليه، وهو الغني عنا. فإذا أدخل مؤمنًا الجنة فذلك فضل منه، وإذا عاقب مذنبًا فذلك عدل منه، وإذا عفا عن تائب فذلك رحمة منه.
ولذلك لم يخلق الله الجنة لأنه محتاج إلى أهلها، ولم يخلق النار لأنه ينتفع بعذاب أهلها، وإنما خلقهما ليظهر كمال أسمائه وصفاته، فيظهر عدله في العقوبة، ورحمته في المغفرة، وفضله في الثواب، وحكمته في القضاء.
وهكذا يتبين أن السؤال ليس: ماذا لو لم تكن الجنة؟ بل: ماذا أخبرنا الله بوجودها؟
لقد أخبرنا أن ربنا ليس عادلًا فحسب، بل هو أرحم الراحمين، وأن رحمته سبقت غضبه، وأنه دعا عباده إلى الجنة قبل أن يحذرهم من النار، وجعل أبواب الرحمة أوسع من أبواب العقوبة، لأنه سبحانه الغني الحميد، يعطي فضلًا، ويمنع حكمةً، ويحكم عدلًا، ولا يظلم ربك أحدًا.
