![]() |
| تموت الأرواح |
حين يغيب الإنصاف تموت الأرواحبقلم : نور خالد أبو عمر
في لحظةٍ يغيب فيها الإنصاف، يستبدُّ القلب كما يستبدُّ ليلٌ بلا نجوم، وتفقد الروح معناها كما يفقد البحر أمواجَه، وكأنَّ الكون نفسه يختلُّ ميزانه.
فالإنصاف ليس كلمةً عابرةً تُقال ثم تُنسى، بل هو نغمةٌ خفيةٌ تضبط إيقاع الوجود، وميزانٌ دقيق يزن أثقال النفوس؛ يمنح الإنسان يقينًا بأنَّه ليس غريبًا في هذا العالم، وأنَّ صوته لا يضيع في صحراء الصمت.
وحين يختلُّ هذا الميزان، تتداعى الأرواح، فتسقط في هاوية الحيرة، وتُخلّف وراءها ركامًا من الأسئلة المعلَّقة في فضاءٍ بلا إجابة.
وحين يُحرَمُ المظلوم من كلمةٍ تُنصفه، يصبح كالغريب في وطنه، يجرُّ خلفه صمتًا أثقل من الحديد، ويُصارع وحده جدارًا من اللامبالاة القاسية.
وما أقسى أن يُتْرَك الإنسان بلا رحمة، بلا كلمة، بلا سند! كأنَّه يصرخ في فراغٍ كونيٍّ واسع، فلا يسمع سوى صدى صوته المخنوق، فيشعر أنَّه غير مرئيّ، وأنَّ آلامه لا قيمة لها في أعين الآخرين.
إنَّ الحاجة الأعمق ليست إلى خبزٍ يسدُّ جوع الجسد، بل إلى كلمةٍ تُعيد للروح توازنها، وإلى رحمةٍ تُذكّر الإنسان أنَّه ما زال جزءًا من هذا الكون، وأنَّ له مكانًا فيه يستحقُّه.
فحين يُحرَمُ المرء من أبسط أشكال التضامن، يصبح الاحتياج جرحًا داخليًّا ينزف بلا توقُّف، وألمًا صامتًا لا تشفيه الأيام ولا تُنسيه السُّنون.
إنَّ الإنصاف بالكلمة عدلٌ صغير في ظاهره، لكنَّه عظيم في أثره؛ هو أن تقف بجانب المنكسر وتقول له: "أنت على حقٍّ".
هذه الكلمة البسيطة قادرة على أن تُعيد له يقينًا كاد أن يموت؛ بأنَّ العالم لم يتخلَّ عنه تمامًا، وأنَّ هناك من يشعر بوجعه ويُقدّر صدقه.
لكن حين يغيب هذا الإنصاف، يتحوَّل الإنسان إلى ظلٍّ باهت، يتلاشى في سكون، يجرُّ خلفه خيبةً ثقيلة
، ويُصارع وحده جدارًا من الصمت القاسي الذي لا يرحم ضعفه ولا يُبالي بدموعه.
فلنحذر أن نكون سببًا في موتٍ صامتٍ لروحٍ بريئة تنتظر كلمةً تُنقذها.
فلنحذر أن نكون سببًا في موتٍ صامتٍ لروحٍ بريئة تنتظر كلمةً تُنقذها.
ولنجعل من كلماتنا جسورًا تعبر عليها القلوب نحو الأمان, لا جدرانًا تفصل بيننا؛ ومن رحمتنا نورًا يُضِيء عتمة الحائرين، لا غيابًا يُكرّس الوحشة والظلام.
فالعالم الذي يُحرَمُ فيه الإنسان من الكلمة هو عالمٌ يفتقد أبسط معاني العدل، وأبسط صور الرحمة، وأبسط أشكال الإنسانية.
إنَّ موت الأرواح
لا يكون دائمًا بالرحيل الجسدي، بل قد يكون بالخذلان، أو بالصمت، أو بالغياب؛ حين يُتْرَك الإنسان بلا كلمةٍ تُنصفه، وبلا رحمةٍ تُعيد له معنى وجوده وقيمة حياته.
