📁 آخر الأخبار

الساحرة المستديرة بين الدم والسلطة

 


الساحرة المستديرة بين الدم والسلطة

بقلم: نور خالد أبو عمر

منذ أن بزغ فجر المونديال عام 1930، لم تكن كرة القدم مجرد تسعين دقيقة من الركض خلف المستطيل الأخضر، بل كانت مسرحاً لجنون البشر، تُكتب على أرضه فصول من الدم والسياسة والمال، وتُساق فيه الشعوب كما تُساق الأساطير في ملحمة كونية لا تنتهي.

في مونديال إيطاليا 1934، ارتفعت راية الفاشية فوق المدرجات، حيث استُخدمت البطولة كأداة دعائية للنظام، وتحدثت بعض الروايات عن ضغوط سياسية على الحكام واللاعبين، وإن كانت الشعارات المنسوبة لموسوليني مثل "الفوز أو الموت" محل جدل تاريخي.

ثم جاء مونديال الأرجنتين 1978 تحت حكم الجنرال فيديلا، حيث كان الملعب يجاور مراكز الاعتقال، وحين احتاجت الأرجنتين للفوز على بيرو بفارق كبير، انتهت المباراة بنتيجة 6-0.

وقد تداولت الصحافة روايات عن صفقات سياسية واقتصادية مرتبطة بالنتيجة، لكن هذه الروايات لم تُثبت بشكل رسمي وظلت مثار جدل حتى اليوم.

وفي خيخون 1982، تواطأت ألمانيا والنمسا ضد الجزائر في مباراة وُصفت إعلامياً بـ"فضيحة خيخون"، حيث تبادل الفريقان الكرة ببرود حتى انتهت المباراة بالنتيجة المطلوبة لتأهلهما معاً، وسط استهجان عالمي، لتُسجل كأحد أقبح المشاهد في تاريخ اللعبة.

أما مونديال أمريكا 1994، فقد شهد مأساة اغتيال المدافع الكولومبي أندريس إسكوبار بعد أيام من تسجيله هدفاً عكسياً، في حادثة صادمة ربطتها تقارير بالمافيا والمراهنات، لتتحول كرة القدم إلى ساحة للدم بدل الفرح.

ولم تكن المنتخبات العربية بعيدة عن هذا القدر، ففي بطولة الشباب بكولومبيا 2011، خرج منتخب مصر أمام الأرجنتين في مباراة أثارت جدلاً واسعاً بسبب قرارات تحكيمية اعتبرها كثيرون قاسية، لكن وصفها بـ"ركلات جزاء وهمية" أو "تحيز فج" يبقى رأياً لا حقيقة مثبتة.

وأخيراً، في مونديال 2026 بأتلانتا، أثارت مباراة مصر جدلاً واسعاً بعد إلغاء هدف وقرارات تحكيمية مثيرة للجدل، حيث أصدر الاتحاد المصري لكرة القدم بيانات رسمية يتهم فيها الفيفا بالتمييز والتحيز، لكن هذه الاتهامي تبقى في إطار المواقف الرسمية والجدل الإعلامي، لا الحقائق التاريخية الموثقة.

هكذا، يتضح أن كرة القدم ليست دائماً لغة الشعوب ولا مرآة للبهجة، بل أحياناً تتحول إلى مرآة للفساد والدم، إلى أسطورة تُكتب بالرصاص والصفقات، وإلى ملحمة تُدار فيها الكواليس بيد الطغاة والمال، لا بيد العدالة.

إنها "الساحرة المستديرة" التي تسحر القلوب، لكنها أيضاً تُظهر لنا أن خلف المستطيل الأخضر تختبئ عوالم من الظلم، وأن شعار "فصل الرياضة عن السياسة" ظل حبراً على ورق أمام نفوذ القوى العظمى ومهندسي الكواليس.

كرة القدم إذن ليست مجرد لعبة، بل قصيدة وجودية تُروى على أرض الملعب، قصيدة فيها السجع والدمع، وفيها الفرح والقتل، وفيها الحقيقة التي تفوق الخيال.
تعليقات