📁 آخر الأخبار

قلبى وجدَ فيكِ وطنَهُ الأخير

 


قلبى وجدَ فيكِ وطنَهُ الأخير

 بقلم : م. ياسر أبو الغيط

ليس كل حبٍ يترك فى القلب أثراً يبقى. فهناك مشاعر تولد ثم تمضى كما تمضى الغيوم فى سماء الصيف. وهناك حبٌ آخر يأتى هادئاً. ثم يستقر فى أعماق الروح حتى يصبح جزءاً منها. لا يرحل برحيل الأيام. ولا يتبدل بتقلبات العمر. بل ينمو مع كل نبضة. ويزداد رسوخاً كلما إزدادت الحياة إمتحاناً.

أحببتك لأنك لم تكونى مجرد إمرأةٍ التقتها عينى. بل كنتِ المعنى الذى كانت روحى تبحث عنه منذ سنواتٍ طويلة. شعرت معك أن القدر لم يكن يؤخر اللقاء عبثاً. وإنما كان يهيئ قلبى حتى يعرف قيمتك عندما تأتين. فبعض الأرواح لا يليق بها إلا موعدٌ يكتبه الله فى أكثر اللحظات حكمةً وجمالاً.

قبل أن أعرفك كنت أظن أن السعادة ترتبط بالأماكن. وبالنجاحات. وبما يملكه الإنسان من أشياء. ثم إكتشفت أن السعادة الحقيقية قد تختصرها إبتسامةٌ صادقة. ونظرةٌ حانية. وصوتٌ يحمل من الطمأنينة ما يكفى ليطفئ ضجيج الدنيا كلها. منذ عرفتك تبدلت ملامح أيامى. وأصبح لكل صباحٍ شوقٌ جديد. ولكل مساءٍ دعاءٌ صادق بأن تبقى روحك قريبةً من روحى.

لم يعد قلبى يفتش عن وجوهٍ كثيرة. لأن القلب إذا وجد الإنسان الذى يشبهه إكتفى به عن العالم كله. وصارت بقية الوجوه مجرد عابرى طريق. أما الوجه الذى يسكن الوجدان فلا يغادره أبداً. لأنه لا يعيش فى الذاكرة وحدها. بل يقيم فى نبض القلب. وفى تفاصيل الحياة. وفى الأحلام التى تولد كل ليلة.

أنتِ لستِ قصة حبٍ أرويها للناس. بل الحقيقة الجميلة التى أعيشها بينى وبين نفسى. أنتِ الدعاء الذى خرج من قلبى فى ليلةٍ لم يسمعه أحد. فاستجاب الله له على صورة إنسانةٍ منحتنى من الأمان ما لم تمنحه لى سنواتٌ كاملة. ومعك أدركت أن الحب ليس إنبهاراً عابراً. بل سكينةٌ تزداد عمقاً كلما مر الزمن.

أحب فيك ذلك الصفاء الذى يجعل الكلمات أقل من أن تصفك. وأحب فيك القلب الذى يمنح دون أن ينتظر مقابلاً. وأحب فيك حضورك الذى يسبق صوتك. وغيابك الذى يجعل كل الأشياء أقل بهجةً. حتى أصبحت أقيس جمال الأيام بمقدار قربك. وأحسب غناى فى الدنيا بمقدار ما يسكننى من حبك.

لقد علمتنى أن الحب الصادق لا يطلب المستحيل. بل يكتفى بأن يرى من يحب بخير. وأن يطمئن عليه ولو كان بعيداً. وأن يظل يدعو له فى كل صلاة. لأن الأرواح إذا تعلقت بصدق أصبحت سعادة أحدها إمتداداً لسعادة الآخر. وأصبح الألم بينهما قاسماً مشتركاً لا يراه أحد.

ولو خيرونى بين الدنيا بكل ما فيها. وبين قلبك وحده. لإخترت قلبك دون تردد. لأن الأوطان ليست دائماً خرائط وحدوداً. وإنما قد يكون الوطن إنساناً. إذا إقترب هدأت الروح. وإذا إبتسم أشرقت الحياة. وإذا حضر شعرت أن العالم كله أصبح أكثر دفئاً. وأكثر رحمةً. وأكثر جمالاً.

فإذا سألنى أحدهم يوماً عن أجمل نعمةٍ إمتن الله بها على قلبى. فلن أذكر مالاً. ولا نجاحاً. ولا مكانةً. بل سأبتسم فى هدوء. وأقول. لقد منحنى الله روحاً أحببتها بصدق. فصار للعمر معنى. وللأيام لون. وللقلب وطنٌ لا يرغب فى وطنٍ سواه.
تعليقات