📁 آخر الأخبار

ما زال قلبى ينتظر عودتك

 


ما زال قلبى ينتظر عودتك

بقلم: المهندس. ياسر أبو الغيط

كم هو غريبٌ هذا القلب. كلما أقنعته أن الزمن قد أغلق آخر أبوابه. عاد يبحث عن نافذةٍ صغيرةٍ يدخل منها إليك. كأن الذكريات طيورٌ تعرف طريقها إلى الأعشاش مهما إبتعدت المواسم. وكأن الحب الصادق لا يخبو وهجه. بل يتوارى خلف الأيام. ثم ينهض فجأةً حين تعبره رائحةٌ قديمة. أو لحنٌ عابر. أو مساءٌ يشبه المساءات التى كنا نقتسم فيها الصمت قبل الكلام.

لقد حاولت أن أُقنع نفسى بأن الفراق نهاية الحكاية. وأن الإنسان يستطيع أن يبدل قلبه كما يبدل ثوبه. لكننى إكتشفت أن القلب لا يعترف بهذه القوانين. فهو لا ينسى من سكنه بصدق. ولا يمحو الوجوه التى إرتسمت على جدرانه بدموع الفرح والحزن معاً.

كنت أظن أن الأيام ستنتصر عليك. وأن الزحام سيخطف صورتك من ذاكرتى. غير أن كل يومٍ كان يضيف إليك شيئاً جديداً. حتى الغياب صار يرسم حضورك بصورةٍ أكثر وضوحاً. وأصبحت المسافات تزيدك قرباً. وكأن البعد لم يُخلق إلا ليكشف قيمة من أحببناهم.

ما أقسى أن يجلس الإنسان بين الناس بينما قلبه يجلس فى مكانٍ آخر. يبتسم للوجوه من حوله. بينما عيناه تبحثان عن وجهٍ واحد. يسمع آلاف الأصوات. لكنه يفتقد ذلك الصوت الذى كان يمنح للكلمات روحاً أخرى. فيدرك متأخراً أن بعض البشر لا يعوضهم أحد. لأنهم لم يكونوا مجرد أشخاص. بل كانوا وطناً كاملاً يسكن داخل الروح.

لا ألومك على الرحيل. فلكل إنسانٍ أسبابه التى قد لا يعرفها سواه. ولكننى أتحسر على تلك الظروف التى فرقت بين القلوب بعدما جمعتها الأقدار. وعلى الأيام التى تمضى سريعاً بينما تبقى لحظة حبٍ واحدةٌ قادرةً على هز القلب بعد سنواتٍ طويلة.

تعلمت بعدك أن الكبرياء قد يربح المواقف. لكنه يخسر الدفء. وأن الصمت قد ينهى الحوار. لكنه لا ينهى الشوق. وأن الإنسان يستطيع أن يبتسم أمام الجميع. لكنه لا يستطيع أن يخدع قلبه كلما إنفرد بنفسه فى آخر الليل.

ولذلك لا أطلب عودة ما إنتهى. ولا أطرق باباً أغلقه الزمن. وإنما أتمنى فقط أن تمر بك لحظة هادئة. تتوقف فيها ضوضاء الحياة. فتبتسم دون سببٍ واضح. ثم تشعر بأن قلبك إستدعى وجهاً عرف يوماً كيف يحبك بإخلاص. عندها ستعرف أن بعض المشاعر لا تموت. وأن بعض الحكايات لا تنتهى بالفراق. بل تبقى معلقةً فى الذاكرة. كلما مر العمر أعاد إليها شيئاً من نبضها الأول.

وربما يأتى يومٌ ننظر فيه إلى الماضى دون ألم. فنبتسم لأننا عرفنا معنى الحب الحقيقى. ذلك الحب الذى لا يقاس بطول اللقاء. وإنما بعمق الأثر الذى يتركه فى القلب. فإذا كانت الأيام قد فرقت بين الطرق. فإن الحب الصادق يظل ساكناً فى القلوب. لا تهزمه المسافات. ولا تمحوه السنون. لأنه حين يسكن الروح يصبح جزءاً من العمر. لا يغادره إلا بانتهاء الرحلة كلها
.
تعليقات