📁 آخر الأخبار

بين هوس المنع ووعي الاختيار: قراءة هادئة في جدل «نظام الطيبات»

 بين هوس المنع ووعي الاختيار: قراءة هادئة في جدل «نظام الطيبات»

بقلم: نعمة محمود خضري

في السنوات الأخيرة، أصبحت منصات التواصل الاجتماعي ساحةً مفتوحة لطرح الأنظمة الغذائية المختلفة، حتى تحولت بعض هذه الأنظمة إلى قضايا رأي عام يتجادل حولها المؤيدون والمعارضون. ومن أكثرها إثارة للنقاش ما يُعرف بـ«نظام الطيبات» للدكتور ضياء العوضي، الذي يرى فيه البعض طريقًا لاستعادة الصحة، بينما يراه آخرون نظامًا يقوم على المنع والتشدد أكثر مما يقوم على الأدلة العلمية.

وسط هذا الجدل، يبرز سؤال منطقي: هل أصبحت الأطعمة التي اعتدنا تناولها عبر مئات السنين خطرًا على صحتنا، أم أن المشكلة تكمن في شيء آخر؟

الحقيقة أن الإجابة لا توجد في أقصى التأييد ولا في أقصى الرفض، وإنما في منطقة الاعتدال التي تجمع بين احترام الطبيعة والاستفادة من العلم.

لقد اعتمد الإنسان منذ القدم على أغذية طبيعية مثل البيض، والحليب، واللحوم، والدواجن، والحبوب، والخضروات، وكانت هذه الأطعمة تمثل أساس غذائه عبر مختلف الحضارات. ومن الصعب التسليم بأن هذه الأغذية أصبحت فجأة ضارة في أصلها، فالمشكلة غالبًا لا تكمن في الغذاء نفسه، وإنما في طريقة إنتاجه أو الإفراط في استهلاكه أو أسلوب تحضيره.

ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن «نظام الطيبات» يلفت الانتباه إلى قضية تستحق الوقوف عندها، وهي الانتشار الواسع للأغذية فائقة التصنيع التي أصبحت جزءًا من النظام الغذائي اليومي لكثير من الناس. فالإفراط في تناول السكريات المكررة، والدقيق الأبيض، والمشروبات المحلاة، والوجبات السريعة، والدهون المتحولة، يرتبط بزيادة معدلات السمنة والسكري وأمراض القلب، وهو ما تؤكده دراسات طبية عديدة.

كما ينجح هذا الطرح في تشجيع الناس على قراءة مكونات المنتجات الغذائية، والاهتمام بجودة الطعام، والحد من الاعتماد على الأطعمة الجاهزة، وهي عادات صحية لا خلاف عليها.

لكن في المقابل، ينبغي التمييز بين الغذاء الطبيعي وبين الممارسات الصناعية التي قد تؤثر في جودته. فبعض أنظمة التربية المكثفة للحيوانات قد تعتمد على الاستخدام غير الرشيد للمضادات الحيوية أو على أعلاف منخفضة الجودة، وهو ما يستدعي رقابة صحية صارمة والتزامًا بالمعايير المعتمدة. وهذا لا يعني أن كل الدواجن أو اللحوم أو البيض ضارة بطبيعتها، وإنما يؤكد أهمية اختيار مصادر موثوقة كلما أمكن ذلك.

ولا تتوقف المشكلة عند الإنتاج، بل تمتد إلى طريقة إعداد الطعام داخل المنزل. فكثير من الأطعمة الصحية قد تفقد جزءًا من قيمتها إذا تعرضت للقلي المتكرر، أو الحرق، أو أضيفت إليها كميات كبيرة من الدهون والملح والسكريات. وعلى العكس، فإن طرق الطهي البسيطة، مثل السلق أو الطهي بالبخار أو الشواء المعتدل، تساعد على الحفاظ على القيمة الغذائية للطعام.

إن الوعي الغذائي الحقيقي لا يقوم على التخويف، ولا على تصنيف الأطعمة إلى «ملائكة» و«شياطين»، وإنما يقوم على الاعتدال، والتنوع، والاعتماد على الأدلة العلمية، مع مراعاة احتياجات كل شخص وحالته الصحية.

لقد علمتنا التجارب أن الأنظمة الغذائية المتشددة قد تحقق نتائج مؤقتة، لكنها غالبًا ما تكون صعبة الاستمرار، بينما يبقى أسلوب الحياة المتوازن هو الخيار الأكثر واقعية واستدامة.

في النهاية، لا ينبغي أن يتحول الطعام إلى مصدر دائم للقلق أو الشعور بالذنب، فهو نعمة قبل أن يكون معادلة غذائية. وما أحوجنا اليوم إلى ثقافة تقوم على حسن الاختيار، وجودة المنتج، والاعتدال في الكمية، بعيدًا عن الإفراط في المنع أو الاستهلاك.

ويبقى المبدأ الأبسط والأكثر اتزانًا هو ما جاء في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾؛ فالغذاء الطيب ليس ما نبالغ في تحريمه أو تمجيده، بل ما نتناوله بوعي، ونظافة، وتوازن، ليظل وسيلةً للحياة والصحة، لا سببًا للخوف والانقسام.

NaMa Mahmoud
NaMa Mahmoud
كلنا إنسان ولكن ليس الجميع علي قيد الإنسانيه
تعليقات