📁 آخر الأخبار

اللحظة المقدَّسة تقاوم صخب الحروب

 


اللحظة المقدَّسة تقاوم صخب الحروب

بقلم: نور خالد أبو عمر

في القدس، حيث تتعانق الحجارة مع أصوات الأزمنة، يتدفّقُ المساءُ كهمسٍ مُقدَّسٍ بين الجدرانِ العتيقة، يُخبِّئُ بصمتِه أثرَ اللحظةِ فلا يخبو، بل يتوهَّجُ كأمنيةٍ مُعلَّقةٍ في فضاءِ المدينةِ، تنبضُ بأحلامٍ لا يطويها الزمنُ ولا يَسحقها التاريخ.

هناك، يظلُّ الوَترُ الوحيدُ يُداعِبُ المسافةَ بصمتٍ يفيضُ بالحنين، يعانقُ نغمةً سريَّةً متواريةً خلفَ الأبوابِ، كأنَّهُ نَفَسُ الذِّكرى المستكنّة، لا يذوبُ في صخبِ الأيامِ، بل يبقى شاهدًا على قصصٍ لم تنتهِ، على كلماتٍ خُطَّتْ على الحجرِ ولم تُمحَ.

إنها ومضةٌ تتخطّى الزمنَ، تنسكبُ في عُمقِ المدينةِ كضوءٍ يتسلَّلُ بين شقوقِ الصمتِ، تُحلِّقُ بلا قيودٍ، كأنَّها حلمٌ عالقٌ في ذاكرةِ المكانِ، يقاوِمُ الأفولَ ليبلغَ الخلودَ، ويَنتظرُ أن يُكتَبَ من جديد، لا كذكرى، بل كحقيقةٍ لا تُطمَس.

غير أنَّ التاريخَ، في وجهٍ آخر، يروي بداياتِ الحروبِ الكبرى وتصاعدَ النزاعاتِ وانفلاتَ السيطرةِ، إذ إنَّ تاريخَ البشريَّةِ حافلٌ بالحروبِ التي أعادت تشكيلَ خرائطِ القوى العالميَّة، وأعادت توزيعَ موازينِ النفوذِ بين الأمم.
ورغم أنَّ هذه الحروبَ تبدو أنها اندلعت فجأةً، إلَّا أنَّ الواقعَ يُظهِرُ أنَّها غالبًا ما تبدأُ بمناوشاتٍ سياسيَّةٍ أو عسكريَّةٍ صغيرةٍ، قبلَ أن تتصاعدَ إلى مواجهاتٍ شاملةٍ لا يُمكنُ التكهُّنُ بمآلاتِها.

تكون المناوشاتُ هي الشرارةَ الأولى في بداياتِ النزاعاتِ الكبرى؛ لا يكونُ الصراعُ مباشرًا، بل يبدأُ على هيئةِ استفزازاتٍ سياسيَّةٍ، أو قراراتٍ اقتصاديَّةٍ صارمةٍ، أو مناوراتٍ عسكريَّةٍ محدودةٍ.

هذه الخطواتُ تُراكِمُ التوتُّرَ، وتُمهِّدُ الطريقَ للتصعيدِ، ثم تأتي مرحلةُ التقديراتِ والحساباتِ الاستراتيجيَّة، حيث تبدأُ القوى المتنازعةُ في تحليلِ مصالحِها، فتُقيِّمُ التوازنَ بينَ التصعيدِ والاحتواءِ.

في هذه المرحلةِ، يلعبُ الإعلامُ والأيديولوجيا دورًا في تحريكِ الرأيِ العامِّ، ممَّا يُهيِّئُ الساحةَ وجدانياً وسياسيًّا للحربِ.

هنا تُبنى التحالفاتُ العسكريَّةُ، وتُتَّخذُ قراراتٌ تُسرِّعُ إمكانيَّةَ المواجهةِ المباشرةِ.

ثم تأتي مرحلةُ الاندفاعِ إلى ساحةِ القتالِ، حيث يصبحُ التراجعُ أكثرَ صعوبةً، إذ يُعتبَرُ أيُّ نزوعٍ إلى التهدئةِ ضعفًا استراتيجيًّا.

وغالبًا ما يكونُ المحرِّكُ الأساسيُّ للحظةِ الانفجارِ أحداثًا مفاجئةً، كاغتيالِ شخصيَّاتٍ سياسيَّةٍ أو استفزازٍ عسكريٍّ غيرِ محسوبٍ.

فكيف يُمكنُ تجنُّبُ هذا السيناريو؟

رغمَ أنَّ التاريخَ يُظهِرُ أنَّ النزاعاتَ غالبًا ما تتفاقمُ تدريجيًّا، إلَّا أنَّ الدبلوماسيَّةَ الفعَّالةَ، والاتفاقيَّاتِ الأمنيَّةَ، والتفاعلَ السياسيَّ المتوازنَ، يُمكنُ أن يلعبَ دورًا محوريًّا في تفادي الحروبِ المدمِّرةِ.

ويبقى القرارُ النهائيُّ بينَ التصعيدِ والاحتواءِ رهينَ الإدراكِ السياسيِّ والوعيِ الجماهيريِّ، إذ يُمكنُ للإرادةِ السياسيَّةِ الواعيةِ أن تُغيِّرَ مسارَ الأحداثِ، وتمنعَ العالمَ من السقوطِ في دوَّامةِ الصراعاتِ العنيفةِ.

وهكذا، تبقى اللحظةُ المقدَّسةُ، في القدسِ وفي ذاكرةِ الإنسانِ، شاهدةً على أنَّ الحلمَ قادرٌ أن يقاومَ صخبَ الحروبِ، وأنَّ إرادةَ الحياةِ أقوى من ضجيجِ السلاحِ، وأرسخُ من صخبِ النزاعاتِ، لتظلَّ المدينةُ رمزًا خالدًا بأنَّ النورَ لا يُطفَأ، وأنَّ الأملَ لا يُمحى.
تعليقات