عن الذين مرّوا في حياتنا ولم يرحلوا حقًا
بقلم: د. دينا حمدان عنتر
أستاذ مساعد في اللغة العربية والإعلام
الجامعة الأمريكية في رأس الخيمة
بعض الأشخاص لا يغادرون حين يرحلون
هناك أشخاص يدخلون حياتنا بهدوء، ثم يتركون فيها ضجيجًا لا ينتهي.
يمرون مثل فصل قصير في كتاب طويل، لكننا كلما قلبنا الصفحات وجدنا شيئًا منهم ما زال عالقًا بين السطور.
قد يرحلون عن أماكنهم، وتتغير أرقام هواتفهم، وتغلق الأبواب التي جمعتنا بهم، وتتباعد المدن، وتمضي السنوات، لكن شيئًا ما يبقى.
صوتهم.
ضحكتهم.
طريقة حديثهم.
نظرة عابرة.
جملة قالوها في وقت لم نكن نعرف أنها ستعيش معنا كل هذه السنوات.
رائحة مكان ارتبط بوجودهم.
أغنية تذكرنا بهم.
صورة قديمة تظهر فجأة بين صور الهاتف.
وحتى بعض التفاصيل الصغيرة التي لم نكن نعتقد يومًا أنها مهمة.
هكذا نفهم أن الرحيل ليس دائمًا مغادرة المكان.
هناك من يرحل بجسده، ويبقى في الذاكرة.
وهناك من يبتعد عن حياتنا، لكنه يترك فيها أثرًا لا يستطيع الزمن محوه بسهولة.
لماذا نتذكر بعض الأشخاص دون غيرهم؟
تمر بنا وجوه كثيرة.
نلتقي آلاف البشر خلال حياتنا.
في المدرسة، والجامعة، والعمل، والشارع، والسفر، والمناسبات، وحتى في المصادفات العابرة.
لكن لماذا يبقى بعضهم في ذاكرتنا، بينما يختفي آخرون وكأننا لم نلتقِ بهم يومًا؟
ربما لأن الإنسان لا يتذكر الأشخاص بقدر ما يتذكر ما شعر به معهم.
قد لا نتذكر تفاصيل حديث طويل، لكننا نتذكر كيف جعلنا شخص ما نشعر بالأمان.
قد ننسى تاريخ اللقاء الأول، لكننا لا ننسى من وقف إلى جوارنا في أصعب أيامنا.
قد لا نتذكر الكلمات حرفيًا، لكننا نتذكر الشخص الذي قالها في اللحظة التي كنا نحتاج فيها إلى سماعها.
فالذاكرة الإنسانية لا تحفظ الأحداث فقط.
إنها تحفظ المشاعر التي صاحبتها.
ولهذا قد يختفي شخص من حياتنا، بينما يبقى الشعور الذي منحنا إياه حيًا في داخلنا.
هناك من جاء في الوقت الذي كنا نحتاجه
بعض الأشخاص لا يكونون مجرد أشخاص.
يأتون في لحظة معينة وكأن الحياة أرسلتهم إلينا لسبب لا نفهمه إلا بعد سنوات.
يأتي أحدهم ونحن في أكثر مراحلنا ضعفًا، فيمنحنا شيئًا من القوة.
نلتقي شخصًا ونحن تائهون، فيساعدنا على رؤية الطريق.
نجد صديقًا في وقت كنا نعتقد فيه أننا وحدنا، فيجعل العالم أقل قسوة.
وقد يأتي شخص بكلمة واحدة تغير شيئًا في داخلنا.
ثم يمضي.
ربما لم يكن مقدرًا له أن يبقى طويلًا.
لكن ربما لم تكن مهمته أن يبقى.
ربما كانت مهمته فقط أن يترك في حياتنا شيئًا نحتاج إليه.
بعض الأشخاص يأتون ليعلمونا الحب.
وبعضهم يأتون ليعلمونا الصبر.
وبعضهم يأتون ليعلمونا معنى الوفاء.
وبعضهم، رغم الألم الذي تسببوا فيه، يعلموننا كيف نحمي قلوبنا.
ليس كل من مر بنا كان عبثًا.
حتى الذين لم يستمروا معنا ربما تركوا وراءهم درسًا لا يقدر بثمن.
بعض الغياب أكثر حضورًا من الحضور
الغريب أن الإنسان قد يشعر أحيانًا بحضور شخص غائب أكثر من حضور أشخاص يعيشون إلى جواره.
قد نجلس وسط مجموعة من الناس، لكننا نتذكر شخصًا واحدًا ليس هنا.
نسمع أغنية، فتعود بنا سنوات إلى الوراء.
نزور مكانًا، فتظهر أمامنا صورة قديمة.
نشم رائحة عطر مألوف، فنشعر للحظة أن الزمن عاد.
نمر من شارع، فنستعيد محادثة قديمة.
وكأن الذاكرة لديها أبواب سرية لا نعرف متى تفتح.
قد نعتقد أننا تجاوزنا شخصًا تمامًا، ثم تأتي لحظة صغيرة لتخبرنا أن بعض الأشياء لا تختفي، وإنما تتغير طريقة وجودها في داخلنا.
لم يعد الشخص جزءًا من يومنا.
لكنه أصبح جزءًا من ذاكرتنا.
وهذا شكل آخر من أشكال البقاء.
الذين رحلوا ولم نودعهم كما ينبغي
ليس كل الرحيل يأتي بعد وداع.
أحيانًا تنتهي العلاقات تدريجيًا.
رسالة تتأخر.
ثم رسالة أخرى.
مكالمة لا تُرد.
لقاء يتأجل.
ثم يصبح التأجيل عادة.
وفجأة نكتشف أن المسافة أصبحت أكبر مما نستطيع عبورها.
هناك أشخاص لم نختلف معهم، لكننا ابتعدنا.
وهناك من انتهت علاقتنا بهم دون أن نعرف متى انتهت بالضبط.
وهناك كلمات كثيرة لم نقلها.
اعتذارات تأخرت.
شكر لم يُقل.
امتنان لم يجد طريقه إلى الكلام.
وأحيانًا يكون أكثر ما يؤلمنا ليس الرحيل نفسه، وإنما أننا لم نحصل على فرصة لنقول ما كان يجب أن نقوله.
لكن الحياة لا تمنحنا دائمًا النهايات التي نريدها.
بعض القصص تنتهي بجملة ناقصة.
وبعض العلاقات تتوقف عند علامة استفهام.
وبعض الأشخاص يغادرون قبل أن نعرف أنهم كانوا يستحقون منا كلمة أخيرة.
هل نشتاق إلى الأشخاص أم إلى أنفسنا معهم؟
ربما يكون هذا أحد أصعب الأسئلة.
عندما نشتاق إلى شخص رحل، هل نشتاق إليه هو؟
أم نشتاق إلى الإنسان الذي كنا عليه عندما كان معنا؟
أحيانًا لا نشتاق إلى الشخص وحده.
نشتاق إلى نسخة من أنفسنا كانت تضحك أكثر.
كانت تحلم بسهولة.
كانت تثق دون خوف.
كانت تنتظر رسالة بشغف.
كانت ترى الحياة بطريقة مختلفة.
ربما كان وجود ذلك الشخص مرتبطًا بمرحلة معينة من حياتنا.
وعندما رحل، لم نفقده وحده.
فقدنا أيضًا جزءًا من تلك المرحلة.
