لماذا أصبحنا نخاف من المشاعر؟
د. منصور الأنصاري. اتقوا الله فينا. لا تفتروا علينا. فالله:بقلم: د. دينا حمدان عنتر
أستاذ مساعد في اللغة العربية والإعلام
الجامعة الأمريكية في رأس الخيمة
حين أصبح القلب شيئًا نخشى إظهاره
ربما أصبحنا نخاف من مشاعرنا أكثر مما نخاف من أي شيء آخر.
نخاف أن نحب، لأن الحب يجعلنا مكشوفين.
نخاف أن نشتاق، لأن الاشتياق يضعف المسافات التي حاولنا بناءها.
نخاف أن نقول "أنا بحاجة إليك"، لأننا تعلمنا أن الاحتياج ضعف.
نخاف أن نبكي أمام الآخرين، لأننا تربينا على فكرة أن القوة تعني ألا يرى أحد انكسارنا.
نخاف أن نعترف بأننا تألمنا، حتى لا يمنح الآخرون ألمنا اسمًا يقلل منه.
وهكذا بدأ الإنسان المعاصر يتعلم شيئًا غريبًا:
كيف يخفي قلبه.
نعيش في عالم يشجعنا على الإنجاز، وعلى السرعة، وعلى القوة، وعلى الاستمرار، لكنه نادرًا ما يعلمنا كيف نشعر.
يعلمنا كيف نربح.
كيف ننافس.
كيف نبدو ناجحين.
كيف نبتسم أمام الآخرين.
لكنه لا يعلمنا دائمًا كيف نتعامل مع الحزن حين يأتي.
ولا كيف نعترف بالخوف.
ولا كيف نطلب الاحتواء.
ولا كيف نقول لشخص نحبه: "وجودك يعني لي الكثير."
أصبحنا نرتدي القوة طوال الوقت
منذ الصغر، يتعلم كثير من الناس أن البكاء عيب.
أن الطفل القوي لا يبكي.
وأن الرجل يجب ألا يظهر حزنه.
وأن المرأة يجب أن تتحمل.
وأن الإنسان الناجح لا يسمح لمشاعره بأن تعطل طريقه.
ومع مرور السنوات، تتحول هذه الأفكار إلى قناع دائم.
نضحك ونحن متعبون.
نقول "أنا بخير" ونحن لسنا بخير.
نتجاهل الاشتياق.
نخفي الغضب.
نؤجل الحزن.
نقنع أنفسنا بأننا تجاوزنا ما لم نتجاوزه.
ثم نستغرب عندما نشعر فجأة بأن داخلنا ممتلئ بأشياء لا نعرف كيف نخرجها.
المشكلة ليست أننا نشعر كثيرًا.
المشكلة أننا لم نتعلم كيف نشعر بطريقة آمنة.
لماذا أصبح الاعتراف بالمشاعر مخيفًا؟
لأن الاعتراف بالشعور يعني في أحيان كثيرة الاعتراف بأننا لسنا مسيطرين على كل شيء.
حين تقول لشخص: "لقد اشتقت إليك"، فأنت تمنحه جزءًا من حقيقتك.
وحين تقول: "لقد جرحتني"، فأنت تعترف بأن ما حدث ترك أثرًا فيك.
وحين تقول: "أنا خائف"، فأنت تزيل الدرع الذي اعتدت أن تختبئ خلفه.
وحين تقول: "أحتاج إلى المساعدة"، فأنت تعترف بأنك لا تستطيع حمل كل شيء وحدك.
وهذا يخيفنا.
ليس لأن المشاعر سيئة.
بل لأننا نخشى ما قد يفعله الآخرون بهذه الحقيقة.
نخشى أن يُساء فهمنا.
أن يُستغل ضعفنا.
أن يُحكم علينا.
أن نبدو أقل قوة.
أن نحب شخصًا أكثر مما يحبنا.
أن نعطي اهتمامًا لا يُرد.
أن نفتح الباب ثم لا نجد أحدًا في الجهة الأخرى.
لذلك نختار أحيانًا الصمت.
ونختبئ خلف البرود.
ونقول: "لا يهم."
مع أن الأمر يهمنا كثيرًا.
البرود ليس دائمًا قوة
هناك أشخاص يبدون باردين جدًا.
لا يقتربون بسهولة.
لا يعبرون عن مشاعرهم.
لا يقولون ما يشعرون به.
لكن خلف هذا البرود قد يكون قلب شديد الحساسية.
القسوة الظاهرة ليست دائمًا دليلًا على قسوة الداخل.
أحيانًا تكون القسوة درعًا صنعه الإنسان بعد أن تألم كثيرًا.
يقول لنفسه:
لن أثق مرة أخرى.
لن أحب بهذه الطريقة.
لن أسمح لأحد بأن يراني ضعيفًا.
لن أتعلق.
لن أحتاج.
ثم يعيش سنوات وهو يعتقد أنه أصبح أقوى، بينما الحقيقة أنه أصبح أكثر خوفًا.
فالقلب الذي لا يسمح لأحد بالاقتراب لا يكون دائمًا قلبًا قويًا.
قد يكون قلبًا خائفًا.
نحن لا نخاف الحب… بل نخاف خسارته
الحب في ذاته ليس مخيفًا.
المخيف هو ما قد يحدث بعده.
أن تحب ثم تفقد.
أن تمنح ثم تُخذل.
أن تبني أحلامًا ثم ترى الحياة تهدمها.
أن تعتاد وجود شخص ثم تستيقظ يومًا لتجد أن مكانه أصبح فارغًا.
لهذا يفضل بعض الناس ألا يحبوا من البداية.
يظنون أن عدم الدخول في العلاقة سيحميهم من الألم.
لكن القلب لا يعمل بهذه الطريقة.
لا يمكننا أن نحمي أنفسنا من كل ألم دون أن نحرم أنفسنا في الوقت نفسه من كثير من الفرح.
من يريد ألا يتألم أبدًا، قد يكتشف أنه عاش أيضًا دون أن يحب بما يكفي.
المشاعر ليست ضعفًا
الحزن ليس ضعفًا.
البكاء ليس ضعفًا.
الاشتياق ليس ضعفًا.
الحب ليس ضعفًا.
الاحتياج ليس ضعفًا.
حتى الخوف ليس ضعفًا.
كل هذه المشاعر تخبرنا أننا بشر.
أن لدينا قلبًا يتأثر.
أن الأشياء تعني لنا شيئًا.
أن الأشخاص يمكن أن يتركوا أثرًا.
أن الحياة ليست مجرد قائمة من الإنجازات والأرقام.
قد تكون أقوى لحظة في حياة الإنسان هي اللحظة التي يسمح فيها لنفسه بأن يقول الحقيقة:
"أنا متعب."
أو:
"لقد تألمت."
أو:
"أفتقده."
أو:
"كنت بحاجة إلى أن تكون بجواري."
ماذا يحدث حين نقمع مشاعرنا؟
المشاعر التي لا نعبر عنها لا تختفي دائمًا.
قد تختبئ.
تتحول إلى صمت.
أو عصبية.
أو انسحاب.
أو قسوة.
أو تعلق زائد.
أو رغبة مستمرة في الهروب.
نغضب من أشياء صغيرة لأن وراء الغضب أشياء كبيرة لم نعالجها.
ننفعل من كلمة عابرة لأن الكلمة لمست جرحًا قديمًا.
نبتعد عن أشخاص يحبوننا لأننا لا نعرف كيف نستقبل الحب.
نرفض القرب لأننا نخشى الفقد.
وهكذا، بدلًا من أن نعيش مشاعرنا، تبدأ مشاعرنا في إدارة حياتنا من الخلف.
نحتاج إلى لغة جديدة للمشاعر
ربما نحتاج أن نعيد تعليم أنفسنا كيف نتحدث عن الداخل.
بدلًا من "أنا بخير"، يمكن أن نقول:
"أنا متعب قليلًا."
بدلًا من "لا يهم"، نقول:
"هذا الأمر آذاني."
بدلًا من الاختفاء، نقول:
"أحتاج إلى بعض الوقت."
بدلًا من الغضب، نحاول أن نسأل:
ما الذي يؤلمني حقًا؟
فالكلمات لا تغير المشاعر دائمًا، لكنها تجعلها مرئية.
وما يصبح مرئيًا يمكن فهمه.
وما يمكن فهمه يصبح أسهل في التعامل معه.
ليس كل شخص يستحق أن يرى قلبك
لكن الانفتاح لا يعني أن نكشف كل شيء أمام الجميع.
هناك فرق بين الصدق وبين التعرض للأذى.
ليس كل إنسان قادرًا على حمل مشاعرك باحترام.
وليس كل شخص يستحق أن يعرف نقاط ضعفك.
الحكمة ليست أن تغلق قلبك.
ولا أن تفتحه بلا حدود.
الحكمة أن تعرف أمام من تستطيع أن تكون نفسك.
أن تختار الأشخاص الذين يحترمون دموعك.
ولا يستخدمون أسرارك ضدك.
ولا يحولون ضعفك إلى سلاح.
فالقلب يحتاج إلى الأمان قبل أن يحتاج إلى الكلام.
لا تعاقب قلبك بسبب شخص واحد
من أكثر الأخطاء التي نرتكبها أن نسمح لتجربة مؤلمة بأن تحدد علاقتنا بكل البشر.
خذلنا شخص، فنقرر ألا نثق بأحد.
رحل شخص، فنقرر ألا نتعلق.
كذب شخص، فنقرر أن الجميع كاذبون.
لكن الإنسان ليس نسخة من الآخر.
والحياة لا تتكرر بالطريقة نفسها دائمًا.
لا تجعل شخصًا أساء إليك سببًا في أن تحرم نفسك من أشخاص قد يحبونك بصدق.
أن تكون حساسًا ليس عيبًا
في عالم يمجد القسوة، قد يشعر الإنسان الحساس أنه غريب.
يتأثر بالكلمات.
يتذكر التفاصيل.
يشعر بالآخرين.
يحزن بسهولة.
يفرح بسهولة.
يتعلق بالأماكن والأصوات والروائح والذكريات.
لكن الحساسية ليست عيبًا.
إنها طريقة مختلفة في استقبال العالم.
المشكلة فقط أن القلب الحساس يحتاج إلى حدود.
أن يتعلم متى يعطي.
ومتى يبتعد.
ومتى يقول لا.
ومتى يحافظ على نفسه.
الرهافة لا تعني أن تسمح للجميع بالدخول.
بل أن تظل قادرًا على الشعور، دون أن تسمح للآخرين بتحطيمك.
وربما نحتاج أن نتصالح مع قلوبنا
ربما لم نكن بحاجة إلى أن نصبح أقل شعورًا.
كنا بحاجة إلى أن نصبح أكثر فهمًا لمشاعرنا.
أن نعرف أن الحزن له حق في الوجود.
وأن الفرح ليس خيانة لمن فقدناهم.
وأن الاشتياق لا يعني بالضرورة العودة.
وأن الحب لا يعني فقدان الكرامة.
وأن الاحتياج لا يلغي الاستقلال.
وأن البكاء لا يمحو القوة.
نحن لسنا آلات.
ولا يمكن أن نعيش وكأن كل شيء يمكن تفسيره بالعقل وحده.
هناك أشياء لا يفهمها إلا القلب.
في النهاية… لا تخف من أن تكون إنسانًا
ربما أصبحنا نخاف من المشاعر لأن العالم أقنعنا أن الإنسان القوي هو الذي لا يتأثر.
لكنني أعتقد أن القوة الحقيقية ليست في أن تتحول إلى حجر.
القوة أن تشعر، ثم تعرف كيف تستمر.
أن تحب، مع معرفتك أن الحب يحمل احتمال الفقد.
أن تثق، مع قدرتك على وضع الحدود.
أن تبكي، ثم تمسح دموعك وتكمل.
أن تقول "أنا متعب"، دون أن تخجل.
أن تقول "أحتاجك"، دون أن تعتبر ذلك هزيمة.
أن تقول "أحبك"، دون أن تجعل رد الطرف الآخر هو المقياس الوحيد لقيمتك.
القلب ليس عدوًا يجب السيطرة عليه.
إنه جزء من إنسانيتنا.
والمشاعر ليست عاصفة يجب أن نهرب منها دائمًا.
أحيانًا علينا أن نقف تحت المطر قليلًا، حتى نفهم لماذا كانت السماء تبكي.
فلا تخف من قلبك.
ولا تعاقبه لأنه أحب.
ولا تخجل من دمعة نزلت في وقت لم تستطع فيه الكلمات أن تفعل شيئًا.
فربما أجمل ما في الإنسان أنه، رغم كل ما يمر به، يستطيع أن يظل قادرًا على الشعور.
وفي عالم يزداد قسوة، قد يكون الاحتفاظ بقلب رقيق نوعًا من الشجاعة.
