📁 آخر الأخبار

 فن الإعتذار وفن المسامحة

 فن الإعتذار وفن المسامحة


بقلم: المهندس. يـاسـر أبو الغـيط


ليس كل إعتذارٍ ضعفاً. كما أن كل مسامحةٍ ليست تنازلاً. فهناك لحظات فى حياة الإنسان يحتاج فيها إلى شجاعة أكبر من شجاعة المواجهة. شجاعة أن يعترف بخطئه. وشجاعة أخرى أن يتجاوز خطأ غيره دون أن يسمح له بأن يسكن داخله طويلاً.

الإعتذار الحقيقى ليس كلمة نقولها حتى تنتهى المشكلة. ولا جملة نرددها لمجرد إستعادة علاقة نخشى فقدانها. الإعتذار موقف يكشف قدرة الإنسان على مراجعة نفسه. والإعتراف بأنه أخطأ فى حق شخص آخر. وليس عيباً أن تقول: أخطأت. العيب أن تعرف أنك أخطأت. ثم تبحث عن مبررات تخفى بها خطأك عن نفسك قبل الآخرين.

وقد يكون أصعب ما فى الإعتذار أن الإنسان يضطر إلى مواجهة صورته الحقيقية أمام نفسه. فالإنسان يستطيع أن يقنع الآخرين بروايته. لكنه لا يستطيع أن يهرب طويلاً من الحقيقة التى يعرفها فى داخله. لذلك يكون الإعتذار الصادق بداية لإصلاح ما أفسده الخطأ. قبل أن يكون محاولة لإرضاء الطرف الآخر.

لكن الإعتذار لا يكتمل بمجرد الكلمات. فهناك فرق كبير بين من يعتذر لأنه ندم. ومن يعتذر لأنه يريد التخلص من عواقب خطئه. الأول يبحث عن إصلاح ما أفسده. والثانى يبحث عن راحته. وبين الإثنين مسافة كبيرة لا تستطيع الكلمات أن تخفيها.

وكما أن الإعتذار فن. فإن المسامحة فن آخر. وليس معنى أن تسامح أن تنسى كل شيء. أو أن تعيد الإنسان إلى المكان نفسه الذى كان يحتله فى حياتك. قد تسامح شخصاً. لكنك تتعلم من التجربة كيف تضع حدوداً أكثر وضوحاً فى علاقتك به. فالمسامحة لا تعنى أن تمنح الخطأ فرصة جديدة ليتكرر.

أحياناً نسامح لأننا تعبنا من حمل الغضب. فبعض الجروح لا تؤلمنا بسبب ما حدث فقط. وإنما بسبب إستمرارنا فى إستعادتها كل يوم. نعيش الموقف مرة أخرى فى ذاكرتنا. ونكرر الحوار نفسه فى داخلنا. ونبحث عن إجابة كان يمكن أن تغيّر النهاية. ثم نكتشف بعد سنوات أن الشخص الذي آذانا ربما مضى في حياته. بينما نحن ما زلنا نعيش داخل اللحظة نفسها.

المسامحة فى هذه الحالة ليست هدية نقدمها لمن أخطأ فى حقنا. بقدر ما هى تحرير لأنفسنا من سجن الماضى. أن تسامح لا يعنى أن تقول إن ما حدث كان صحيحاً. بل يعنى أنك ترفض أن تجعل ما حدث يتحكم فى بقية حياتك.

ومع ذلك. ليست كل علاقة تستحق العودة. وليست كل يدٍ تمتد للإعتذار يجب أن نمسك بها من جديد. هناك أخطاء يمكن إصلاحها. وهناك أخطاء تترك أثراً يجعل المسافة أكثر حكمة من القرب. الإنسان الناضج لا يخلط بين نقاء القلب وضعف الحدود. يستطيع أن يسامح. وفى الوقت نفسه يعرف متى يبتعد.

وقد يكون أجمل ما فى الإعتذار والمسامحة أنهما يكشفان معدن الإنسان. فالمعتذر الصادق يمتلك شجاعة الإعتراف. والمتسامح الحقيقى يمتلك قوة تجاوز الأذى. وبين الشجاعة والقوة تولد راحة لا يستطيع المال ولا النجاح وحدهما أن يمنحاها.

لا أحد يعيش حياته دون أن يخطئ أو يُخطئ الآخرون فى حقه. نحن جميعاً نحتاج يوماً إلى من يقول لنا: سامحتك. ونحتاج فى يوم آخر إلى أن نمتلك الشجاعة لنقول: أنا آسف. وبين الكلمتين تتعلم النفس درساً عميقاً. أن الإنسان لا يكبر بعدد السنوات التى عاشها. وإنما بعدد المرات التى إستطاع فيها أن ينتصر على غروره، ويصلح خطأه. ويتحرر من ألمه.

الإعتذار شجاعة. والمسامحة قوة. والاثنان معاً قد يكونان بداية لحياة أخف من الماضى. فليس الهدف أن نعيش بلا أخطاء. فهذا مستحيل. الهدف أن نمتلك من الوعي ما يجعلنا نعترف بأخطائنا. ومن الحكمة ما يجعلنا نتعلم منها. ومن الرحمة ما يجعلنا نسامح دون أن نفقد كرامتنا.
تعليقات