📁 آخر الأخبار

عندما يقتل الزمن الوقت

 عندما يقتل الزمن الوقت


بقلم : نشوى على
 

كان أبي يقول لي دائمًا:

«الأيام بتجري.»

كنت أضحك وقتها ولا أفهم كيف يمكن للأيام أن تجري وهي التي كانت تبدو لي طويلة إلى حد الملل.


كان الصيف يومًا كاملًا من اللعب وكانت الساعة ونحن ننتظر موعد الغروب تبدو كأنها لا تتحرك. وكانت زيارة الأقارب تمتد حتى نشعر أن المساء لن يأتي وكانت جلسة واحدة مع الأصدقاء تكفي لأن نعود منها ونحن نحمل حكايات تكفينا أيامًا.

ثم كبرنا.

وفجأة بدت الأيام وكأن لها أجنحة.

نستيقظ ونركض خلف موعدو نعود ونفتح هواتفنا ونجيب عن الرسائل ، نؤجل مكالمة ونعد أنفسنا بأن نجلس قليلًا ثم نكتشف أن الليل سبقنا إلى النافذة.

نقول:

«اليوم خلص بسرعة.»

ثم يأتي الغد.

ثم الأسبوع.

ثم الشهر.

ثم نلتفت إلى الوراء فنكتشف أن عامًا كاملًا مرّ وكأنه صفحة قلبناها دون أن نقرأها.

ربما لم تكن الأيام هي التي أصبحت أسرع.

ربما نحن الذين أصبحنا نمر عليها بسرعة. 

في الماضي كانت للساعة مساحة في حياتنا.

أما الآن فأصبحت حياتنا هي التي تحاول أن تجد مساحة داخل الساعة.

كل شيء مستعجل.

الطعام مستعجل.

الرسائل مستعجلة.

الأخبار مستعجلة.

العمل مستعجل.

حتى المشاعر أصبحنا نريد لها إجابات فورية.

لم نعد نملك رفاهية أن نجلس أمام نافذة ونراقب المطر دون أن نفكر في شيء.

ولا أن نشرب قهوتنا ببطء.

ولا أن نسير في شارع بلا هدف.

وكأننا دخلنا سباقًا لا نعرف من أطلق صافرة بدايته ولا إلى أين نركض.

والأغرب أننا لا نتوقف عن الركض حتى عندما نصل.


نحن نملك اليوم وسائل تختصر علينا كل شيء تقريبًا.

رسالة تصل في ثانية.

صورة تصل من آخر العالم.

طعام يصل إلى باب البيت.

معلومة نبحث عنها فتظهر أمامنا.

وأشخاص نراهم بضغطة زر.

ومع ذلك، لم نشعر يومًا أن لدينا وقتًا أكثر.

كأن التكنولوجيا التي جاءت لتمنحنا الوقت، نجحت في شيء آخر:

أن تجعل الوقت متاحًا دائمًا للاستهلاك.

كل دقيقة فارغة أصبحت فرصة لشاشة.

كل لحظة انتظار أصبحت فرصة لمقطع قصير.

كل فراغ أصبح شيئًا يجب ملؤه.

حتى إننا أصبحنا نخاف من الصمت.


لكن هناك شيئًا آخر يحدث بصمت.

نحن لا نفقد الساعات فقط.

نحن نفقد اللحظات التي تصنع معنى الساعات.

قد نجلس مع أمنا ساعة كاملة، لكننا لا نتذكر منها إلا أننا كنا ننظر إلى الهاتف.

وقد نسافر إلى مكان جميل، ثم نعود ومعنا مئات الصور وقليل جدًا من الذكريات.

وقد نجلس مع أصدقائنا ونضحك كثيرًا ثم نكتشف أننا كنا مشغولين طوال الوقت بتوثيق الضحكة بدلًا من أن نعيشها.

وكأننا لم نعد نثق بذاكرتنا.

فصرنا نصور كل شيء.

لكن الصورة تحفظ شكل اللحظة...

ولا تحفظ دائمًا إحساسها.


ربما لهذا تبدو طفولتنا أطول من حاضرنا.

لم تكن طفولتنا تحتوي على ساعات أكثر.

كانت تحتوي على لحظات أكثر اختلافًا.

أول يوم مدرسة.

أول صديق.

أول رحلة.

أول عيد ننتظره.

أول مرة نكتشف فيها مكانًا جديدًا.

أما الآن، فكثير من أيامنا تتشابه.

نفس الطريق.

نفس الشاشة.

نفس العمل.

نفس الأخبار.

نفس العجلة.

ولذلك، حين ننظر إلى الوراء، نجد مساحات واسعة من الزمن بلا ملامح.


وهنا يصبح السؤال أكثر قسوة:


هل نحن نخشى أن يضيع الوقت، أم نخشى أن نكتشف أننا أضعناه؟

فالوقت لا يخون أحدًا.

هو عادل تمامًا.

يمنح الجميع أربعًا وعشرين ساعة، لكننا نحن من يقرر ماذا نضع داخلها.

قد تمر ساعة في انتظار شخص نحبه فنشعر أنها طويلة.

وقد تمر خمس ساعات معه فنشعر أنها لم تكن كافية.

إذن ليست قيمة الوقت في عدد دقائقه.

قيمته فيما تركته تلك الدقائق داخلنا.

لذلك ربما لا نحتاج إلى أن نعيش أكثر.

نحتاج فقط إلى أن نمنح الحياة مساحة أكبر من مساحة الإنجاز.

أن نترك يومًا بلا قائمة مهام.

أن نجلس مع شخص نحبه دون أن نراقب الساعة.

أن نسمع حكاية قديمة للمرة العاشرة دون أن نقول: «سمعتها قبل كده».

أن نمشي قليلًا دون أن نعرف إلى أين.

أن نترك الهاتف في غرفة أخرى ونكتشف أن العالم ما زال موجودًا بدونه.

أن نسمح لبعض اللحظات أن تمر دون أن نصورها.

فبعض اللحظات لا تحتاج إلى ذاكرة الهاتف.

يكفي أن تسكن ذاكرتنا.

ربما كان أبي على حق.

الأيام فعلًا تجري.

لكنني فهمت الآن شيئًا لم أفهمه وأنا طفله:

الأيام لا تجري وحدها... نحن الذين نركض معها.

وفي نهاية الطريق، لن نسأل كم رسالة أجبنا عنها ولا كم إشعارًا فتحنا ولا كم مهمة أنجزنا.

ربما سنبحث فقط عن تلك اللحظات الصغيرة التي شعرنا فيها أننا كنا هنا فعلًا.

ضحكة.

حضن.

صوت شخص نحبه.

صباح هادئ.

مائدة جمعتنا بمن نحب.

ومشهد عابر لم نكن نعرف وقتها أنه سيصبح ذكرى.

فالزمن لا يقتل الوقت.

نحن من نسمح له أن يقتل اللحظة.

وربما أجمل ما نستطيع فعله الآن...

أن نتوقف قليلًا.

لا لنمنع الساعة من الحركة، بل لنمنحها قبل أن تمضي سببًا يستحق أن نتذكره.

تعليقات