عنوان المقال: البركة كمفهوم ديني
الكاتب: محمد التومي المحامي
أعجب من أحاديث بعض سكان البلدان الإسلامية مثلنا في مصر عن "البركة" وربطهم كل أمور حياتهم بالدين بينما ربط كل الأمور بالدين من الأمور الخاطئة نظرًا أن الواقع والمعطيات تقضي بأن غالب المجتمعات اللادينية أو الكافرة أكثر تقدمًا وتحضرًا من المجتمعات التي تصبغ نفسها بالصبغة الدينية.
بالإضافة أن موارد المجتمعات اللادينية أو الكافرة أكثر من موارد المجتمعات الدينية عامةً أو المسلمة خاصةً، وحين نتطرق لحديث القلة والكثرة لتجدن المجتمعات الدينية تعزي ذلك لما يسمىٰ "البركة" وهذا أيضًا من الأفهام الخاطئة، فلو دخلنا في مقارناتٍ متعلقةٍ بمفهوم البركة وماهيتها ستنتصر أيضًا المجتمعات اللادينية أو الكافرة.
فمثلًا: مجتمعات دول شمال شرق آسيا تخطت الألف عبادة، وتجد منهم من يعبد الشمس والقمر والنجوم والكواكب والنار والماء والطير والدواب والزواحف والحيوان والأصنام والأوثان، ومنهم من يعبد الفرج بالإضافة لعبدة الشياطين والجان، وغير ذلك مما يطول حصره.
رغم ما سلف تجد عندهم وفرة الطعام والشراب حيث توافر البحار والمحيطات والأنهار، وغزارة الثروة السمكية والحيوانية والداجنة، وغزارة الإنتاج الزراعي بما يكفي احتياجات دول تخطىٰ تعداد سكانها المليار، ونصف المليار مثل الهند والصين إلىٰ أن وصل بهم الفائض حد الكفاية.
ثم غُمرت البلدان والأسواق الأخرىٰ بمنتجاتهم من الموارد الطبيعية أو المصنعات، وعلىٰ رأس هذه البلدان المغمورة بالواردات من هذه الدول دولنا التي زعمت الإسلام، وجعلتنا نمل الحديث عن البركة التي ليس لها أدنىٰ وجودٍ في حياتنا أو مجتمعاتنا بالعقل أو المنطق السليم إنما البركة محض مصطلح يتردد علىٰ الألسن، فهي راسخةٌ كما رأيت بأم عيني، وسمعت بأذني في هذه المجتمعات اللادينية أو الكافرة كما نسميها نحن في المجتمعات الدينية أو الإسلامية زعمًا.
وكنت أعجب حين أسمع عن طائفةٍ من الهنود تقدس الأبقار بل وتعبدها إلىٰ أن ذهبت إلىٰ الهند بنفسي ذات مرَّةٍ، ورأيت شكل الأبقار وأحجامها، وغزارة إنتاجها من الألبان، وما يترتب علىٰ ذلك من مصنعات مشتقات الألبان واللحوم، وأحجام البقر تصل الأطنان، وإنتاج الحليب يتخطىٰ عشرات الكيلو جراماتٍ إن لم يكن مئاتٍ، فالبقر في هذه البلاد ربما يفتنك شكله وإنتاجه، وربما يوصلك لمرحلةٍ من التقديس لما يدره عليك من عوائدٍ وفوائدٍ، وأخشىٰ أن أزيد من وصف البقر الهندي، فتصبو نفسك إلىٰ تقديسه مثل غالب الهنود.
وفي النهاية ما أريد أن أشرحه أن البركة في المجتمع اللاديني أو الكافر أوفر وأغزر بما لا يدع مجالًا للمقارنة عن المجتمعات الدينية عامةً أو الإسلامية خاصةً بالإضافة إلىٰ التقدم والازدهار الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والثقافي والعلمي والصناعي، وغيرها من صور التقدم والازدهار في هذه المجتمعات التي بلا دينٍ أصلًا أو تعبد مئات الديانات عن المجتمع الديني، فلا ينبغي ربط الدين بأمور الدنيا بشكلٍ مطلقٍ كذلك لا ينبغي الحديث عن البركة كمظهرٍ من مظاهر التدين. انتهىٰ
