محكمةٌ بُنيت من الظن
بقلم : دكتور.رحمه علي فوده
رفيقي…
كشّرت الحروف في وجهي دون أن أفعل لها شيئًا.
ألقيت اللوم على نفسي، فوبّختني، وجلست أفتش في الكلمات عن ذنب لا أعرفه، وأبحث في الصمت عن معنى لم يُقَل.
وأنا ما بيني وبين الحرف تائهة…
الذنب ذنب من؟
ربما نحن لا نتألم دائمًا مما قيل لنا، بل مما أضفناه نحن إلى ما قيل.
كلمة قصيرة قد نحمّلها غضبًا لم يكن فيها، وصمت عابر قد نصنع منه رفضًا، وتغير بسيط في نبرة الحديث قد ننسج حوله حكاية كاملة.
ثم نصدق الحكاية التي صنعناها.
التقيت يومًا بمعانٍ كانت تتمشى على سطور سابقة، فسألتها:
ماذا بها الحروف اليوم؟
قالت:
للحرف حال يتغير مع كل كلمة، وللكلمة سياق يغير معناها، وللإنسان قلب لا نراه حين نتلقى منه الكلام.
لا الذنب ذنبك، ولا ذنب الحرف.
أنت خلقت المشكلة من نسيج الوهم.
توقفت قليلًا.
كم مرة فعلنا ذلك؟
كم مرة أخذنا كلمة من بين عشر كلمات، وتركنا الباقي، ثم بنينا عليها حكمًا كاملًا؟
كم مرة قرأنا صمت أحدهم على أنه تجاهل، وابتعاده على أنه رفض، واختلافه على أنه خصومة؟
وكم مرة حكمنا على نوايا لم نملك إليها طريقًا؟
نحن لا نرى ما في القلوب، ومع ذلك كثيرًا ما نحاكم أصحابها بما نظنه فيها.
فرحت بالفكرة، وقلت لنفسي:
لعلها كانت مجرد حماقة في سوء الظن.
فقالت المعاني:
ولهذا نتعلم ألا نقبض على معنى، ولا نحاكم حرفًا.
فالكل حر في مساحته، والكلمات ليست دائمًا اعترافات، والصمت ليس دائمًا رسالة، وما يصل إلينا من الآخرين ليس بالضرورة الصورة الكاملة لما يدور في داخلهم.
قد يكون الإنسان متعبًا، فنحسبه غاضبًا.
وقد يكون مشغولًا، فنظن أنه يتعمد الغياب.
وقد يكون صمته محاولة للهدوء، فنعتبره عقابًا.
وقد تكون كلمة عابرة خرجت منه في لحظة لم نعرف ظروفها، فنجعلها دليلًا على موقف كامل.
وهكذا نبدأ في بناء محكمة.
نأتي بالحرف متهمًا، والصمت شاهدًا، والظن دليلًا، ثم نجلس نحن القاضي والنيابة معًا.
ولا نترك للآخر فرصة واحدة للدفاع.
واللوم قاض أضاع في محكمته صوت الدفاع.
فكيف نبني محكمة بلا عدل؟
وكيف نصدر حكمًا إذا كانت القضية مجرد ظن؟
ربما كان أجمل ما نتعلمه في العلاقات الإنسانية ألا نستعجل تفسير كل شيء.
أن نترك للآخر مساحة لأن يكون له يومه، ومزاجه، وظروفه، ومساحته الخاصة.
أن نتعلم أن عدم فهمنا لشيء لا يعني بالضرورة أن وراءه إساءة.
وأن ما لم يُقَل لا يجوز لنا أن ننسبه إلى صاحبه.
ليس كل حرف يحتاج إلى تفسير.
وليس كل صمت يحتاج إلى تأويل.
وبعض الأشياء، حين نعجز عن معرفتها، يكون أرحم ما نفعله أن نتركها في علم صاحبها.
فقد نظلم إنسانًا لأننا لم نعرف حكايته.
وقد نظلم أنفسنا حين نعيش داخل قصة لم تحدث إلا في خيالنا.
ولعل النضج ليس أن نفهم الآخرين دائمًا، بل أن نعرف متى نتوقف عن الادعاء بأننا فهمناهم.
أن نترك باب الاحتمال مفتوحًا.
أن نقول:
ربما لم أقصد المعنى الصحيح.
وربما لم أقصد أنا أيضًا ما فهمه الآخر.
وربما الحرف بريء، ونحن الذين حمّلناه ما لا يحتمل.
فلا تقبض على معنى قبل أن تتأكد منه.
ولا تجعل الظن قاضيًا، ولا الصمت شاهدًا، ولا الحروف متهمة.
فبعض المحاكم لا تحتاج إلى قاضٍ جديد…
بل تحتاج فقط إلى أن نُسقط عنها الحكم الذي أصدرناه قبل أن نسمع صوت الدفاع.
