تشتت الانتباه وفرط الحركة لدى الأطفال
بقلم: أنور عطية الديب
عندما يحتاج الطفل إلى الفهم قبل في كل بيت تقريباً قد نجد طفلاً كثير الحركة، سريع الملل، لا يستطيع الجلوس لفترة طويلة، أو يجد صعوبة في التركيز أثناء المذاكرة.
وقد يصفه البعض بأنه «مشاغب» أو «عنيد» أو «لا يسمع الكلام»، بينما يرى آخرون أن المشكلة مجرد نقص في التربية أو ضعف في المتابعة.
لكن الحقيقة أن بعض الأطفال قد يواجهون اضطراباً يُعرف باسم اضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة (ADHD)، وهو من الاضطرابات النمائية التي يمكن أن تؤثر في قدرة الطفل على التركيز وتنظيم سلوكه والتحكم في اندفاعاته.
وهنا تبدأ مسؤوليتنا الحقيقية كآباء وأمهات ومربين.
فالأطفال لا يختارون أن يكونوا مشتتين أو مندفعين، ولا يستيقظون كل صباح بهدف إزعاج الأسرة أو المعلمين.
وفي كثير من الأحيان، يكون الطفل نفسه في حاجة إلى المساعدة أكثر من حاجته إلى العقاب.
ما المقصود بتشتت الانتباه وفرط الحركة؟
اضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة هو حالة نمائية قد تظهر في مرحلة الطفولة، وتتميز بصورة أساسية بصعوبات مستمرة في الانتباه، أو فرط النشاط، أو الاندفاع، أو مجموعة من هذه الأعراض.
ولا يعني وجود طفل كثير الحركة بالضرورة أنه مصاب بالاضطراب.
فالحركة والنشاط والفضول من السمات الطبيعية في مراحل كثيرة من نمو الأطفال.
لكن القلق يبدأ عندما تكون الأعراض شديدة أو مستمرة، وتؤثر بشكل واضح في حياة الطفل داخل المنزل أو المدرسة أو علاقاته مع الآخرين.
كيف يمكن أن يظهر تشتت الانتباه؟
قد يواجه الطفل صعوبة في التركيز على مهمة واحدة لفترة مناسبة لعمره.
وقد يبدأ في أداء الواجب ثم ينتقل إلى شيء آخر دون إكمال ما بدأه.
وقد ينسى التعليمات بسرعة، حتى لو كان قد فهمها في البداية.
كما يمكن أن يفقد أدواته المدرسية أو ينسى كتبه وواجباته بصورة متكررة.
ومن العلامات التي تستحق الانتباه أيضاً أن يبدو الطفل وكأنه لا يستمع عندما يتحدث إليه الآخرون، رغم عدم وجود مشكلة سمعية.
وقد يجد صعوبة في ترتيب المهام أو إدارة وقته أو الانتقال من نشاط إلى آخر.
لكن من المهم ألا نحول كل سلوك طبيعي إلى مرض.
فالطفل قد يتشتت لأنه متعب، أو جائع، أو يشعر بالملل، أو لأن طريقة التعليم لا تناسب عمره وقدراته.
وماذا عن فرط الحركة؟
فرط الحركة لا يعني فقط أن الطفل يجري ويتحرك طوال الوقت.
قد يظهر في صورة عدم القدرة على الجلوس بهدوء، أو كثرة الحركة أثناء المواقف التي تتطلب الهدوء.
وقد يتحدث الطفل كثيراً، أو يتحرك باستمرار، أو يجد صعوبة في ممارسة الأنشطة الهادئة.
وقد يشعر وكأن بداخله طاقة لا يستطيع السيطرة عليها.
وهنا يجب أن نفرق بين الطفل النشيط والطفل الذي يعاني من أعراض تؤثر بصورة مستمرة على حياته اليومية.
الاندفاع.. الجانب الذي قد لا ينتبه إليه البعض
هناك أطفال لا تكون مشكلتهم الأساسية الحركة، وإنما الاندفاع.
قد يقاطع الطفل الآخرين أثناء الحديث.
وقد يجيب عن السؤال قبل انتهاء طرحه.
وقد يجد صعوبة في انتظار دوره.
وأحياناً يتصرف بسرعة ثم يكتشف بعد ذلك أن تصرفه تسبب في مشكلة.
وقد يكون الطفل مدركاً أن سلوكه غير مناسب، لكنه يجد صعوبة في إيقاف نفسه في اللحظة المناسبة.
وهذا يجعل البعض يعتقد أن الطفل «يعرف الصح ولكنه يتعمد الخطأ»، بينما قد تكون المشكلة الحقيقية مرتبطة بضعف القدرة على التحكم في الاندفاع.
لماذا يجب ألا نسارع إلى تشخيص الطفل؟
من أخطر الأخطاء أن نطلق على الطفل تشخيصاً لمجرد أنه كثير الحركة.
ليس كل طفل كثير الحركة مصاباً باضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة.
كما أن تشتت الانتباه قد يكون له أسباب أخرى كثيرة.
فاضطرابات النوم، وبعض صعوبات التعلم، والمشكلات النفسية أو الأسرية، والضغوط المختلفة، وبعض المشكلات الطبية، يمكن أن تؤثر في قدرة الطفل على التركيز والسلوك.
لذلك فإن التشخيص يحتاج إلى تقييم متخصص وشامل.
ولا يمكن الاعتماد على اختبار واحد أو موقف واحد داخل الفصل للحكم على الطفل.
دور الأسرة في التعامل مع الطفل
الأسرة هي خط الدفاع الأول عن الطفل.
وأهم ما يحتاجه الطفل في هذه المرحلة هو أن يشعر بأن والديه يفهمانه ولا ينظران إليه باعتباره «مشكلة».
يحتاج إلى قواعد واضحة ومحددة.
ويحتاج إلى تعليمات قصيرة بدلاً من إعطائه مجموعة كبيرة من الأوامر في الوقت نفسه.
فبدلاً من أن نقول له: «رتب غرفتك، وضع ملابسك في مكانها، وأحضر حقيبتك وأنهِ واجبك»، يمكن تقسيم المهمة إلى خطوات بسيطة ومتتابعة.
كما يساعد وجود روتين يومي واضح على تقليل الفوضى وزيادة قدرة الطفل على معرفة ما هو مطلوب منه.
التعزيز الإيجابي أهم من كثرة العقاب
عندما يقوم الطفل بسلوك جيد، يجب أن يشعر أن هذا السلوك تم ملاحظته.
كلمة «أحسنت» في الوقت المناسب قد تكون أكثر تأثيراً من عشرات كلمات اللوم.
ويمكن استخدام المكافآت البسيطة المناسبة لعمر الطفل لتشجيعه على الالتزام بالسلوك المطلوب.
المهم أن تكون المكافأة مرتبطة بسلوك واضح.
مثلًا: «أنت اليوم أنهيت واجبك قبل اللعب، وهذا تصرف رائع».
بهذه الطريقة يتعلم الطفل العلاقة بين السلوك والنتيجة.
المدرسة شريك أساسي
لا يمكن التعامل مع تشتت الانتباه وفرط الحركة داخل المنزل فقط.
فالطفل يقضي جزءاً كبيراً من يومه في المدرسة، ولذلك فإن التعاون بين الأسرة والمعلم والمتخصصين أمر بالغ الأهمية.
قد يحتاج الطفل إلى الجلوس في مكان يقلل من المشتتات.
وقد يستفيد من تقسيم الواجبات الطويلة إلى أجزاء صغيرة.
كما يمكن أن تساعد التعليمات الواضحة والمباشرة والمتابعة المستمرة على تحسين أدائه.
ومن المهم ألا تتحول المدرسة إلى مكان يشعر فيه الطفل دائمًا بالفشل أو الإحراج.
لا تقارن طفلك بغيره
من أكثر الجمل التي تؤذي الطفل:
«شوف أخوك عامل إزاي»
«زميلك أشطر منك»
«أنت الوحيد اللي مش بتفهم»
هذه المقارنات قد تقلل ثقة الطفل بنفسه، ولا تعالج المشكلة.
كل طفل له قدراته وسرعة تعلمه وطبيعته الخاصة.
والمطلوب هو مساعدة الطفل على أن يصبح أفضل من نفسه بالأمس، وليس أن يصبح نسخة من طفل آخر.
الرياضة والنشاط البدني
النشاط البدني جزء مهم من حياة الطفل عمومًا.
فالرياضة تساعد الأطفال على تفريغ الطاقة بطريقة منظمة، كما تمنحهم فرصة لتعلم الالتزام بالقواعد والعمل الجماعي وتحمل المسؤولية.
لكن ممارسة الرياضة ليست علاجاً منفرداً للاضطراب، ولا ينبغي أن تحل محل التقييم والمتابعة المتخصصة عند الحاجة.
المهم أن نختار نشاطاً مناسباً لعمر الطفل وميوله وقدراته.
فالطفل الذي يحب الرياضة يكون أكثر استعداداً للاستمرار فيها والاستفادة من فوائدها السلوكية والاجتماعية.
ماذا يحتاج الطفل قبل كل شيء؟
يحتاج إلى شخص يؤمن به.
يحتاج إلى من يفرق بين الخطأ المتعمد والسلوك الذي يحتاج إلى تدريب وتنظيم.
يحتاج إلى حدود واضحة، ولكن أيضاً إلى الحب والاحتواء.
ويحتاج إلى أن نكتشف نقاط قوته بدلاً من التركيز طوال الوقت على نقاط ضعفه.
فقد يكون الطفل الذي يجد صعوبة في الجلوس طويلًا لديه طاقة كبيرة يمكن توجيهها إلى الرياضة.
وقد يكون الطفل الذي يتشتت بسهولة مبدعاً في مجالات أخرى.
وقد يمتلك مهارات اجتماعية أو فنية أو حركية مميزة تحتاج فقط إلى فرصة للظهور.
متى نطلب المساعدة المتخصصة؟
عندما تستمر الأعراض وتظهر في أكثر من بيئة، مثل المنزل والمدرسة، وتبدأ في التأثير على تعلم الطفل أو علاقاته أو حياته اليومية، فمن الأفضل استشارة مختص.
الهدف من التقييم ليس وضع «ملصق» على الطفل.
الهدف هو فهم ما يحدث معه، ومعرفة احتياجاته، ووضع خطة مناسبة لمساعدته.
وقد تتضمن الخطة تدخلات سلوكية وتربوية ودعماً أسرياً ومدرسياً، وقد يقرر الطبيب في بعض الحالات استخدام العلاج الدوائي وفق تقييمه الطبي.
ولا ينبغي للأسرة أن تبدأ أو توقف أي دواء من تلقاء نفسها.
الرسالة الأهم للآباء
إذا كان طفلك يعاني من تشتت الانتباه أو فرط الحركة، فلا تجعل أول سؤال هو:
«إزاي أعاقبه؟»
بل اسأل:
«إيه اللي بيخليه يتصرف بالشكل ده؟ وإزاي أساعده؟»
هذا التحول البسيط في طريقة التفكير يمكن أن يغير علاقة الطفل بأسرته وبنفسه.
فالطفل الذي يسمع طوال الوقت أنه «مشاغب» قد يبدأ في تصديق ذلك.
أما الطفل الذي يسمع «إحنا هنساعدك تتحسن» فيتعلم أن المشكلة شيء يمكن التعامل معه، وليست وصفًا لشخصيته.
في النهاية
تشتت الانتباه وفرط الحركة ليسا مجرد «دلع أطفال»، كما أنهما ليسا دليلاً على فشل الأسرة في التربية.
وفي الوقت نفسه، ليس كل نشاط زائد أو تشتت انتباه اضطرابًا يحتاج إلى تشخيص.
المعادلة الصحيحة تبدأ بالفهم والملاحظة، ثم التقييم المتخصص عند الحاجة، ثم التعاون بين الأسرة والمدرسة والمختص.
أطفالنا لا يحتاجون إلى أن نضعهم في قوالب جاهزة.
هم يحتاجون إلى أن نراهم كما هم، وأن نكتشف الطريقة التي تساعد كل طفل على التعلم والنمو والنجاح.
وفي النهاية، قد لا يكون الطفل الذي يتحرك كثيراً هو «المشكلة» داخل البيت.
ربما تكون المشكلة الحقيقية أننا لم نكتشف بعد الطريقة الصحيحة التي نساعده بها على توجيه طاقته وقدراته.
