📁 آخر الأخبار

الحب أحياناً يسكن بين المقاعد

الحب أحياناً يسكن بين المقاعد


بقلم: المهندس. يـاسـر أبو الغـيط

لم أكن أظن أن رحلة عودة عادية من العمل يمكن أن تمنحنى مشهداً يظل عالقاً فى الذاكرة. كنت عائداً من إحدى المناطق الراقية فى القاهرة. فاستقلت ميكروباصاً ( مينى باص) متجهاً إلى المنطقة التى أسكن فيها. كان الميكروباص شبه خالٍ. ولم يكن بداخله سوى عدد قليل من الركاب. وكل واحد منا غارق فى صمته. حتى صعدت إمرأة مسرعة. يتبعها رجل يناديها: ( إستنى. إستنى ). ثم جلس الإثنان فى المقاعد الخلفية. وكأنهما يبحثان عن مساحة بعيدة عن أعين الآخرين.

كان من السهل أن تلاحظ من مظهرهما وطريقة ملابسهما أنهما من أسرة ميسورة. كما أن طريقة حديثهما كانت توحى بأنهما من المتعلمين. لم يكن فى المشهد ما يلفت الإنتباه فى البداية. زوج وزوجة فى طريقهما إلى منزلهما. وربما كان بينهما خلاف عابر لا يستحق أن يعرفه أحد. لكن الدقائق التالية كشفت عن حكاية مختلفة تماماً.

فى البداية كان حديثهما منخفضاً. أقرب إلى عتاب بين زوجين يعرف كل منهما مواضع الألم فى قلب الآخر. كانت الزوجة غاضبة. لكنها لم تكن غاضبة من رجل عابر فى حياتها. كانت غاضبة من رجل حاربت من أجله أهلها. وتمسكت به رغم إعتراض أسرتها على الزواج. كانت تقول له. بنبرة تجمع بين الغضب والحب. إنه لا بد أن يكون له موقف. وإن صبرها له حدود. وإنها تحملت كثيراً من أجل هذا الزواج.

كان يستمع إليها محاولاً تهدئتها. ويذكرها بأنه هو الآخر لم يكن طريقه إليها مفروشاً بالورود. فقد واجه إعتراضاً من أهله أيضاً وتمسك بها. وفعل ما يستطيع حتى يجتمعا تحت سقف واحد. وبين جملة وأخرى كان يطلب منها ألا تضيّع سنوات الحب فى لحظة غضب. وألا تجعل مشكلة عابرة تهدم شيئاً بذلا من أجله الكثير.

شيئاً فشيئاً إرتفعت أصواتهما. حتى أصبح حديثهما مسموعاً لكل من فى الميكروباص. لم يعد العتاب عتاباً عابراً. كان أشبه بكشف حساب طويل للحب. ولكن بصورة مختلفة. كل واحد منهما كان يقول للآخر: لقد فعلت من أجلك الكثير. وكل واحد منهما كان ينتظر أن يسمع من الآخر الجملة التى تطمئنه إلى أن كل ما مضى لم يذهب هباءً.

والغريب أن الاثنين لم يكونا يشعران تقريباً بمن حولهما. كانت الجلالة قد أخذتهما تماماً. نسيا أن هناك ركاباً يجلسون حولهما. وأن سائقاً يقود السيارة. وأن غرباء يسمعون تفاصيل حوار كان من المفترض أن يبقى بينهما. كانا يتحدثان وكأنهما فى مكان خاص لا وجود فيه لأحد سواهما.

لكن أحداً منا لم يشعر بالضيق. على العكس. بدأنا نتابع المشهد فى صمت. وكأننا أمام فيلم قصير لا نعرف نهايته. لم يكن فى كلامهما ما يدعو إلى السخرية. كان هناك غضب. نعم. وكان هناك عتاب. نعم. لكن خلف الغضب والعتاب كان واضحاً أن شيئاً أكبر يقف بينهما. كان هناك حب قديم. وتضحيات مشتركة. وذكريات لا يريد أيٌّ منهما أن يخسرها.

وفى لحظة ما. جلست إحدى السيدات بجانبى. ثم طلبت منى أن أتحرك قليلاً إلى الداخل لأنها ستنزل فى محطة قريبة. فقلت لها إن محطتها قد تجاوزناها. فضحكت وقالت لى إنها ستنتظر قليلاً. لأنها تريد أن تعرف نهاية قصة الزوجين الجالسين خلفنا.

إبتسمت يومها. أدركت أن الأمر لم يعد يخص الزوجين وحدهما. لقد تحول، من دون أن يقصد أحد. إلى حكاية يتابعها كل الركاب.

كانت الزوجة تتحدث عن أهلها. وعن اعتراضهم على الزواج، وعن صبرها الطويل. وكانت كلماتها تحمل معنى واضحاً: أنا لم أصل إليك بسهولة. لقد دفعت ثمن هذا الحب من علاقتى بأهلى. وتحملت الكثير لأننى إخترتك.

وكان الزوج يرد عليها بأنه لم يكن أقل تمسكاً بها. فقد واجه هو الآخر إعتراضات من أهله. وتمسك بها. وفعل المستحيل حتى يستمر زواجهما. ثم بدأ الغضب يهدأ شيئاً فشيئاً. وبدأت الكلمات التى كانت تحمل اللوم تتحول إلى كلمات تحمل خوفاً على الحب نفسه.

هنا بدا المشهد مختلفاً تماماً.

لم يعد السؤال: من المخطئ؟

بل أصبح السؤال الأهم: كيف نحافظ على ما دفعنا ثمناً كبيراً حتى نصل إليه؟

وهذه. فى رأيى. هى اللحظة التى ينكشف فيها معدن العلاقات الحقيقية. فالحب ليس أن يظل الإنسان مبتسماً طوال الوقت. الحب الحقيقى يعرف الغضب والإختلاف والعتاب. لكنه يعرف أيضاً متى يتوقف عن تسجيل الأخطاء. ومتى يتذكر الجميل. ومتى يقول للآخر: أخطأت. لكننى لا أريد أن أخسرك.

كان واضحاً أن الزوج يقف بين طرفين. وأن خلافات عائلية كانت تزيد الأمر تعقيداً. وكانت الزوجة تريد منه موقفاً يطمئنها إلى أنه ما زال إلى جوارها. وكان هو يحاول أن يؤكد لها أنه لن يترك الأمور تصل إلى النهاية التى تخشاها. وأنه سيحاول إصلاح ما يمكن إصلاحه.

ولعل أجمل ما فى المشهد كله أن العتاب نفسه كان يحمل وفاءً.

فالإنسان لا يعاتب من لا يعنيه أمره. وقد يكون أقسى أنواع الفقد أن يتوقف الإنسان عن العتاب. لا لأنه سامح. وإنما لأنه لم يعد يهتم.

أما هذان الزوجان. فقد كان كل منهما لا يزال مهتماً بالآخر إلى الحد الذى جعله يرفع صوته أمام غرباء لا يعرفهم. كانا غاضبين لأنهما يريدان أن يستمر الحب. لا لأنهما يريدان أن ينتهى.

ثم حدث ما لم يكن فى حسابهما.

بدأ بعض الركاب يتدخلون بكلمات بسيطة. ربما بدافع التعاطف. وربما لأن الجميع شعر أن الخلاف يمكن أن ينتهى بكلمة طيبة. وهنا ظهرت على وجهيهما تلك النظرة المفاجئة التى تقول: لحظة. نحن لسنا وحدنا.

التفتا حولهما. وكأنهما إستيقظا فجأة من عالمهما الخاص. نظرا إلى الركاب. ثم إلى السائق. وبدت على وجهيهما علامات الدهشة والإرتباك. لقد إكتشفا فجأة أنهما كانا يتحدثان بكل هذه التفاصيل أمام جمهور كامل. بينما كان كل واحد منهما يظن أنه يعيش لحظته الخاصة مع الآخر.

كان المشهد طريفاً وإنسانياً فى الوقت نفسه. فقد كنا جميعاً نتابعهما. وربما كنا نتمنى فى داخلنا أن تنتهى الحكاية بالصلح.

حتى السائق سأل عن المحطة التى يريدان النزول فيها. ويبدو أن إنشغالهما بالحديث لم يكن وحده سبباً فى عدم معرفتهما إلى أين يتجهان. فقد إتضح أن ركوبهما الميكروباص لم يكن مخططاً له من الأساس. كانت الزوجة. وهى غاضبة منه. قد إستقلت الميكروباص فى لحظة إنفعال. وما إن تحرك حتى أسرع الزوج خلفها وصعد وراءها. وكأنه لم يكن يفكر هو الآخر إلى أين سيذهبان. وإنما كان كل ما يعنيه ألا يتركها وهى غاضبة.

ولهذا. عندما سألهم السائق عن المكان الذى يريدان النزول فيه. نظر كل منهما إلى الآخر. وكأن السؤال أعادهما فجأة إلى الواقع. لم يكن لديهما مكان محدد يقصدانه. ولم يكن الميكروباص جزءاً من أى رحلة مخطط لها. لقد ركبا معاً بالصدفة. ثم أخذتهما الجلالة فى الحديث والعتاب. حتى نسيا أين هما وإلى أين يمضيان.

قالا فى النهاية: (خلاص. ننزل هنا). ونزلا معاً. وسط نظرات الركاب وإبتساماتهم. وربما كان أجمل ما فى الأمر أن الميكروباص لم يكن قد أوصلهما إلى مكان كانا يقصدانه. لكنه أوصلهما. ولو لساعات قليلة. إلى مكان أهم بكثير: إلى بعضهما من جديد.

نزلا معاً. لكن شيئاً ما كان قد تغير.

لم يعودا كما صعدا. كان العتاب قد إنتهى. وبقى ما هو أهم منه. بقى ذلك الخيط الرفيع الذى يربط شخصين إختار كل منهما الآخر. ثم دفعا ثمن هذا الإختيار. ثم إكتشفا بعد سنوات أن الإنسان قد يغضب ممن يحب. لكنه لا يستطيع بسهولة أن يتخلى عمن إختار أن يكمل معه الطريق.

ظللت أنظر إليهما وهما يبتعدان. لم أعرف إسميهما. ولا أعرف شيئاً عن حياتهما بعد ذلك اليوم. ولا أعرف من كان على حق فى خلافهما. ولا أستطيع أن أحكم على تفاصيل لا أعرفها.

لكننى أعرف شيئاً واحداً.

لقد رأيت أمامى زوجين يختلفان. لكنهما لم يكونا يريدان الإنتصار على بعضهما. كان كل واحد منهما يريد أن ينتصر على المشكلة. وربما لهذا السبب خرجت من ذلك الميكروباص بفكرة لم أكن أفكر فيها قبل الرحلة.

بعض العلاقات لا تحتاج إلى شخص يحكم بين طرفين. بقدر ما تحتاج إلى أن يتذكر الطرفان لماذا إختارا بعضهما فى البداية.

فالحب الذى ينجو من إعتراض الأهل. ومن إختلاف الطباع. ومن ضغوط الحياة. ومن سنوات العتاب. لا ينبغى أن يسقط بسبب لحظة غضب.

وقد تكون أجمل المصالحات تلك التى تبدأ بعتاب صادق. وتنتهى بنظرة تقول دون كلام: ما زلت أحبك. وما زلت أريدك إلى جوارى.

أما نحن. ركاب ذلك الميكروباص. فقد كنا مجرد شهود بالصدفة على حكاية لم تبدأ أمامنا. ولن نعرف نهايتها.

لكنها تركت فى نفوسنا شيئاً جميلاً.

تركت لنا مشهداً سينمائياً بلا كاميرا. وبلا مخرج. وبلا أبطال يعرفون أنهم كانوا يؤدون أدوارهم أمام جمهور كامل.

وكان أجمل ما فى المشهد أن الاثنين. رغم كل ما قيل. نزلا معاً. وربما كانت تلك وحدها كافية لتقول كل شيء.

تعليقات