📁 آخر الأخبار

لماذا نكتب وما الذى نبحث عنه؟

 لماذا نكتب وما الذى نبحث عنه؟


بقلم: المهندس. يـاسـر أبو الغـيط

نكتب لأن فى داخل الإنسان أشياء كثيرة لا تجد طريقها إلى الحياة إلا بالكلمات. فكرة تولد فى العقل. وشعور يظل حبيساً فى القلب. وذكرى ترفض أن تمضى. وسؤال لا يجد له صاحبه إجابة. ثم تأتى الكتابة لتمنح كل ذلك شكلاً يمكن رؤيته وتأمله ومشاركته مع الآخرين.

لكن الكتابة ليست مجرد ترتيب للكلمات. فالكلمات موجودة فى كل مكان. ويمكن لأى شخص أن يجمع عدداً منها فى جمل متتابعة. أما الكتابة الحقيقية فهى أن تعرف لماذا تقول. وماذا تريد أن يبقى من كلامك بعد أن ينتهى القارئ من الصفحة

نكتب لأننا نريد أن نفهم. فالإنسان قد يعيش موقفاً ولا يدرك معناه كاملاً فى لحظته. ثم يجلس بعد ذلك ويحاول أن يصف ما حدث. فيكتشف من خلال الكتابة أشياء لم يكن يراها من قبل. كأن القلم لا ينقل أفكارنا فقط. وإنما يساعدنا أحياناً على إكتشافها.

وقد تكون الكتابة حواراً هادئاً مع النفس. عندما نكتب. نضطر إلى مواجهة ما نفكر فيه بصورة أكثر وضوحاً. لا نستطيع أن نختبئ طويلاً خلف العبارات العامة. الفكرة تحتاج إلى تحديد. والموقف يحتاج إلى تفسير. والشعور يحتاج إلى إسم. ولذلك قد يعرف الإنسان نفسه من خلال ما يكتبه أكثر مما يعرفها من خلال ما يقوله فى حديث عابر.

ونكتب أيضاً لأن بعض التجارب لا ينبغى أن تختفى بمجرد إنتهائها. قد يعيش الإنسان موقفاً صغيراً فى ظاهره. لكنه يحمل معنى كبيراً. وقد تمر به لحظة تغير نظرته إلى الحياة. وإذا لم تُسجل هذه التجربة. فقد تختفى تفاصيلها مع مرور السنوات. أما الكتابة فتعطى الذاكرة فرصة أخرى للبقاء.

لكن حفظ الذاكرة ليس السبب الوحيد. فنحن نكتب لأننا نريد أن نترك أثراً. وليس المقصود بالأثر أن يعرف الناس أسماءنا جميعاً. أو أن تتحول كلماتنا إلى شهرة. الأثر الحقيقى قد يكون فكرة غيّرت طريقة تفكير شخص. أو جملة جعلت قارئاً يعيد النظر فى قرار. أو تجربة ساعدت إنساناً على فهم نفسه.

قد يقرأ شخص بعد سنوات نصاً كتبه إنسان لا يعرفه. ثم يجد فيه شيئاً يشبه حياته. فى تلك اللحظة تتجاوز الكتابة صاحبها. وتصبح جسراً بين تجربتين لم تلتقيا من قبل.

ولهذا لا نكتب لأننا نعتقد أننا نملك الحقيقة كاملة. نكتب لأن لدينا شيئاً نراه من زاويتنا. ونضعه أمام القارئ ليقرأه بعقله وتجربته. الكاتب الجيد لا يطلب من القارئ أن يتخلى عن عقله. وإنما يمنحه فكرة تستحق التفكير.

والكتابة مسؤولية أيضاً. فالكلمة قد ترفع إنساناً. وقد تجرحه. وقد تفتح أمامه باباً. وقد تدفعه إلى قرار متسرع. لذلك لا يكفى أن يكون الكاتب قادراً على التعبير. يجب أن يعرف قيمة ما يكتبه. وأن يدرك أن القارئ ليس مساحة فارغة يملؤها بما يشاء.

ومن هنا يصبح الصدق أهم من الزخرفة. ليس كل نص يحتاج إلى كلمات كبيرة. أحياناً تكون الجملة البسيطة أكثر تأثيراً من فقرة مليئة بالتعبيرات الثقيلة. والقارئ المثقف لا يبحث عن إستعراض لغوى. وإنما يبحث عن معنى يشعر أنه يستحق القراءة.

نكتب كذلك لأن الصمت لا يستطيع دائماً أن يحمل كل ما نريد قوله. قد نصمت فى حياتنا اليومية حفاظاً على علاقة. أو تجنباً لخلاف. أو لأن اللحظة لم تكن مناسبة. لكن الفكرة التى لم تجد مكاناً فى الحديث قد تجد مكانها فى الكتابة.

والكتابة تمنحنا ميزة لا يمنحها الحديث. إنها تسمح لنا بمراجعة أنفسنا قبل أن تصل الكلمات إلى الآخرين. نستطيع أن نحذف ما لا نحتاجه. ونصحح ما أخطأنا فيه. ونبحث عن التعبير الأدق. ولذلك فإن الكاتب لا يكتب فقط ما يشعر به. وإنما يتعلم أيضاً كيف يضبط شعوره حتى يصبح قابلاً للفهم.

وهناك سبب آخر يجعلنا نكتب. نحن نكتب لأننا نرفض أن تمر الحياة أمامنا دون أن نتوقف عندها.

نرى مشهداً فى الشارع. نسمع حواراً عابراً. نلتقى إنساناً يترك أثراً. نشهد موقفاً يكشف جانباً من طبيعة البشر. وقد يمر كل ذلك أمام الآخرين دون إهتمام. بينما يتوقف الكاتب عند التفاصيل ويسأل: لماذا حدث هذا؟ وماذا يكشف عن الإنسان؟

الكاتب لا يعيش حياة مختلفة عن الناس. لكنه ينظر إليها بعين تحاول أن ترى ما وراء الظاهر.

ومن هنا تصبح الكتابة نوعاً من الإصغاء. إصغاء إلى الناس. وإلى الحياة. وإلى النفس. وكلما إتسعت قدرة الكاتب على الإصغاء. إتسعت مادته الحقيقية. لأن الكتابة لا تُصنع من الخيال وحده. وإنما من الملاحظة والتجربة والمعرفة والتأمل.

ولا ينبغى أن نكتب فقط عندما تكون لدينا إجابة. أحياناً نكتب لأن لدينا سؤالاً. والسؤال الجيد قد يكون أكثر قيمة من إجابة جاهزة. فهو يفتح أمام القارئ مساحة للتفكير بدلاً من أن يغلقها بحكم نهائى.

وربما لهذا كانت بعض أجمل الكتابات هى التى لا تنتهى عند آخر سطر. ينتهى النص. لكن فكرته تستمر فى ذهن القارئ. يعيد النظر فيها. يختلف معها. يوافقها. وربما يكتشف من خلالها شيئاً جديداً عن نفسه.

وهذا هو النجاح الذى يستحقه الكاتب.

ليس أن يقول القارئ: ما أجمل الكلمات. وإنما أن يقول بعد القراءة: هذه الفكرة جعلتنى أفكر.

تعليقات