من لسان العرب
الكاتب: محمد التومي المحامي
(١) أصل مقولة العرب: ليست النائحة الثكلى كالنائحة المستأجرة.
(٢) أصل مقولة العرب: من يدهِ في الماءِ ليس كمن يده في النار.
(٣) أصل مقولة العرب: لا ناقةَ لِيَ فيها، ولا جمل.
وقد حدث نزاعًا في الجاهلية أدى إلى اقتتال أبناء العمومة فيما بينهم على أمرٍ تافهٍ، واستمرت الحرب ما يقرب من الأربعة عقودٍ ونصف حتى قيل: كاد الجنس العربي أن يفنى بسبب هذه الحرب، وذلك كنايةً عن كثرة أعداد القتلى
كان طرفي هذه الحرب بكرٍ وتغلب بني وائل؛ سُميت بحرب البسوس نسبةً لامرأةٍ اسمها البسوس نزلت ضيفةً على بني بكر حيث أنها خالةً لجساسٍ بن مرة، وقتل في هذه الحرب ملكًا يُضرب به المثل في العزة، وهو وائلٌ بن ربيعة (كليبًا) وقاد الحرب من بني تغلب الزير سالم (المهلهل) بينما قادها من بني بكرٍ جسَّاسًا
نشبت هذه الحرب بسبب ناقة البسوس (سرابًا) التي دخلت مرعى الملك كليبًا دون إذنه، فرماها بسهمٍ في ضرعها، فسقطت مختلطًا دمها بلبنها، فثارت البسوس لناقتها، واستجارت بابن أختها جساسًا التي هي في حماه وضيافته، فأقسم ليقتلن بسرابٍ ناقة البسوس (علَّالًا) جمل كليبًا، وقد كان قام بقتل الجمل علالًا كما أقسم
فاستشاط الملك وائل غضبًا، ومنع بني مرة قاطبةً من المرعى والماء حتى كادت جميع قطعانهم تفنى مما أدى لثائرة النفوس حيث شعورهم بالإهانة والإذلال من قبل ابن عمهم وائلًا، فقرروا الرحيل وترك الديار، فمنعهم وائل من ذلك أيضًا
فقتل جساس وائلًا ثأرًا لنفسه وقومه من هذه الإهانة والإذلال، فبدأت الحرب على إثر قتل الملك كليبًا، فتدخل وجاهات العرب للصلح، وعلى رأسهم حكيم العرب الحارث بن عباد، فطلب منه الطرفان أن ينضم إليهما في الثأر، فأبى التدخل في الحرب لصالح أي طرفٍ منهما، ولما سُئل عن سبب لزومه الحياد، واعتزاله الحرب، قال: حربًا لا ناقة لي فيها، ولا جمل
فصارت مقولة ابن عباد مضرب أمثال العرب إلى وقتنا الحاضر، وتعني عدم التدخل في أمورٍ ليست من شأننا، ولا نستفيد منها شيئًا، وربما تضرنا وتجلب لنا الأذى والشرور، فمن المعلوم عقلًا ومنطقًا أن في كل الحرب شرًّا، لقوله تعالى: {وكفى الله المؤمنين القتال} والآية كنايةً عن خبرٍ محذوفٍ، وهو لفظ (شر) أي شر القتال، وحذف تخفيفًا لأنه مفهومًا من السياق، ولدلالة المعنى عليه، فالقاعدة اللغوية قضت بأن : إثبات المثبت نفي.
ازدواجية المعايير عند حكيم العرب الحارث بن عباد:
حين قُتل كليبًا أول ملكٍ على شبه جزيرة العرب، ومضرب أمثالهم في العزة، قيل: أعز من وائلٍ أو أعز من كليبٍ.
ذهب حكيم العرب الحارث بن عبادٍ في وفادةٍ إلى المهلهل شقيق كليبًا الأكبر، وولي الدم يعرض عليه الصلح نظير الديه، فقال المهلهل: ما الدية التي تعادل دم كليبًا يابن عباد؟! فقال ابن عباد: الدية لدى الكرام الإعتذار، فاستشاط المهلهل غضبًا، وأقسم أن يثأرن من ابن عبادٍ على هذه الدية الوضيعة حيث أنه قد رآها تسفيهًا وانتقاصًا من قدر ربيعة عامةً بصفتهم أولياءً للدم، وكليبًا خاصةً بصفته القتيل المغدور، وهو ملك العرب، وسيد ربيعة.
انصرف ابن عبادٍ من مجلس المهلهل، ومعه وجاهات العرب الذين سعوا في الوساطة بغية الصلح خالون الوفاض ثم بعد زمنٍ من الحرب قد أرسل ابنه جُبيرًا في وفدٍ أخرٍ للتوسط من أجل إيقاف الحرب، وعَرَضَ جُبَيْرًا دَمِهِ فِدْيَةً، فقتله المهلهل قتلةً مُهينةً، وقال: بشسع نعل كليبٍ.
فمن هنا بدأ المجتمع العربي الجاهلي معرفة سياسة ازدواجية المعايير، والكيل بمكيالين من قول وفعل ابن عبادٍ نظرًا أنه كان وجيه العرب وحكيمهم التي تتوافد عليه القبائل للقيس برأيه وحكمته لكن حِينَ عَلِمَ ابن عبادٍ بقتل ابنه جبيرًا، قال: وحق ما آمنت به العرب لأقتلن به عدد النجوم والحصى والرمال، فقالت العرب: ليست النائحة الثكلى كالنائحة المستأجرة، ومن يده في الماء ليس كمن يده في النار. انتهىٰ
