قصيدة : - سألت النيل؟
للشاعر : بهاء الدين جلال محمد
سَأَلْتُ
النِّيلَ: هَلْ مَا زِلْتَ تَذْكُرُ
خُطَى جَدِّي عَلَى شَطَّيْكَ تَمْشِي؟
2. فَقَالَ: هُنَا تُرَابُ
أَبِيكَ يَرْوِي
حِكَايَا العِزِّ... وَالعَرَقَ الَّذِي
يُنْشِي
3. فَيَا مِصْرُ الَّتِي
فِي القَلْبِ تَسْكُنُ
وَيَا أُمّاً تُعَلِّمُ كَيْفَ نَحْيَا
4. أَنَا
"المُنْحَنِي" لَكِنْ بِانْحِنَاءَةٍ
رَفَعْتُ الرَّأْسَ حِينَ ظَنَنْتُ أَكْفِي
5. وَرِثْتُ عَنْ أَبِي
صَبْراً جَمِيلاً
وَعَنْ جَدِّي حِكَايَةَ كُلِّ نَجْوَى
6. يَقُولُ أَبِي:
بِلَادُكَ لَا تَبِيعُ
وَلَوْ جَاعَتْ... فَخُبْزُ العِزِّ يَكْفِي
7. وَيَحْكِي جَدِّي عَنْ
زَمَنٍ تَوَلَّى
وَكَيْفَ حَمَى تُرَابَكِ بِالحُشَاشَةِ
8. فَمَا هَانَتْ
عَلَيْهِمْ يَوْمَ ضَاقَتْ
وَلَا بَاعُوا كَرَامَتَهَا بِفَلْسِ
9. وَأَوْصَانِي أَبِي
قَبْلَ المَنَايَا:
"بُنَيَّ... انْحَنِي لِلْأَرْضِ لَا
لِلنَّاسِ"
10. فَإِنَّ الأَرْضَ إِنْ
قَبَّلْتَ ثَرَاهَا
تُقَبِّلُكَ السَّمَاءُ بِكُلِّ بَأْسِ
11. فَيَا وَطَنَ
"الأَضْعَنَا" يَا مَلَاذِي
وَيَا حُضْناً إِذَا الدُّنْيَا تَوَلَّتْ
12. رَأَيْتُكِ فِي
عُيُونِ أَبِي صَلَاةً
وَفِي كَفَّيْهِ دَمْعاً حِينَ صَلَّى
13. وَكَمْ هَوَى نَجْمُكِ
الأَعْلَى وَلَكِنْ
يُعَاوِدُ مَرَّةً أُخْرَى التَّجَلِّي
14. لِأَنَّكِ لَسْتِ
أَرْضاً مِنْ تُرَابٍ
وَلَكِنَّكِ دُعَاءُ أَبِي وَجَدِّي
15. فَمُنْذُ وُلِدْتُ...
كَانَ اسْمُكِ لَحْنِي
وَكَانَ تُرَابُكِ الحُرُّ مِهَادِي
16. إِذَا قَالُوا:
"ضَعُفْتِ" أَقُولُ: كَلَّا
فَمِنْ ضِلْعِ "الأَضْعَنَا"
أَنْتِ قُمْتِي
17. أَنَا "النَّجْمُ
الَّذِي هَوَى" بِأَرْضِكِ
فَهَلْ يُلَامُ نَجْمٌ إِنْ تَهَاوَى؟
18. هَوَى فِي حِجْرِ
أُمِّي كَيْ يَقُولَ:
"أَنَا ابْنُكِ يَا بِلَادِي... لَنْ
أُسَاوَى"
19. فَلَا الأَمْوَالُ
تُغْرِينِي بَعِيداً
وَلَا الأَلْقَابُ تُنْسِينِي بِلَادِي
20. أَنَا
"أَوَّابُ"... كُلَّمَا انْكَسَرْتُ
رَجَعْتُ إِلَيْكِ أَلْتَمِسُ الوِدَادِ
21. فَخُذِي العَهْدَ مِنْ
حَفِيدِ الفَجْرِ هَذَا
سَأَحْمِيكِ بِقَلَمِي... وَبِفُؤَادِي
22. وَأُورِثُ بَعْدِيَ
الأَبْنَاءَ حُبّاً
يُقَالُ لَهُ إِذَا نَادَوْكِ:
"عَادِي"
23. فَإِنِّي قَدْ
كَتَبْتُ عَلَى جَبِينِي
"أَنَا المِصْرِيُّ"... فَخْراً
لَا أُعَادِي
24. وَإِنْ مُتُّ
فَاكْتُبِي فَوْقِي عِبَارَةً:
"هُنَا المُنْحَنِي... مَاتَ وَهُوَ
شَادِي"
25. بِأَنَّ
"الانْحِنَاءَ" لِتُرْبِ مِصْرٍ
هُوَ القَامَةُ الَّتِي لَا لَنْ تُنَادِي
بَهَاءُ
جَلَالٍ "فَارِسٌ"
حَفِيدُ
تُرَابِكِ... وَابْنُ أَبِيكِ
