الخوف من الندم يسرق فرص الحياة
بقلم: المهندس. يـاسـر أبو الغـيط
ليس كل ما يؤلم الإنسان هو ما حدث له. أحياناً يكون أكثر ما يؤلمه هو ما لم يفعله. قرار تركه معلقاً. فرصة مرّت أمامه ولم يقترب منها. كلمة جميلة إحتفظ بها حتى ضاعت اللحظة. طريقاً خاف أن يسلكه. ثم ظل سنوات يتساءل كيف كانت ستكون حياته لو أنه إمتلك الشجاعة الكافية ليبدأ.
الندم شعور إنسانى لا يكاد يخلو منه أحد. فنحن نراجع ماضينا من وقت إلى آخر. نستعيد مواقف قديمة. نتذكر أشخاصاً رحلوا. ونقف أمام إختيارات إتخذناها أو لم نتخذها. لكن المشكلة لا تبدأ من الندم نفسه. وإنما عندما يتحول الندم من درس نتعلم منه إلى خوف يحكم مستقبلنا.
هناك من يخاف أن يتخذ قراراً جديداً لأنه يتخيل الندم الذى قد يشعر به إذا لم ينجح. يخشى أن يترك عملاً لا يحبه ثم يكتشف أنه أخطأ. يخشى أن يبدأ مشروعاً ثم يخسره. يخشى أن يدخل علاقة جديدة ثم يتألم. يخشى أن يغيّر طريقه ثم يكتشف أن الطريق القديم كان أفضل. فيظل واقفاً مكانه. ظناً منه أنه بذلك يحمى نفسه من الندم.
لكن الإنسان لا يستطيع أن يعيش بلا إحتمال للندم. حتى عدم الإختيار يمكن أن يصبح مصدراً للندم. وربما كان هذا هو الجانب الذى يغفله كثيرون. نحن نعتقد أن القرار وحده يحمل إحتمال الخطأ. بينما الحقيقة أن ترك القرار يحمل إحتمالات أخرى لا تقل أهمية.
قد تندم لأنك حاولت ولم تصل. وقد تندم لأنك لم تحاول أصلاً. وقد تندم لأنك قلت كلمة فى لحظة غضب. وقد تندم لأنك صمت عندما كان الكلام ضرورياً. وقد تندم لأنك غادرت مكاناً كان يستحق البقاء. أو بقيت فى مكان كان الرحيل منه أكثر حكمة.
إذن ليست القضية أن نتخلص من الندم تماماً. فهذا أمر لا يستطيع أحد أن يضمنه. القضية أن نتعلم كيف نعيش بطريقة تجعلنا أقل تعرضاً للندم الذى يأتى من الخوف. وأكثر قدرة على قبول الندم الذى قد يأتى من التجربة.
فالإنسان الذى لا يفعل شيئاً حتى لا يندم. قد يكتشف بعد سنوات أنه ندم على أشياء كثيرة لم يفعلها. وقد يكون هذا النوع من الندم أكثر قسوة. لأنه لا يمنحك حتى عزاء التجربة. عندما تفشل فى أمر حاولت فيه. تستطيع أن تقول لنفسك إنك تعلمت. أما عندما لا تحاول أصلاً. فقد يبقى السؤال مفتوحاً إلى سنوات طويلة: ماذا لو أننى حاولت؟
وهذا السؤال من أكثر الأسئلة إزعاجاً للإنسان. لأنه لا يملك إجابة. فالنتيجة التى لم نختبرها تظل قابلة لكل الإحتمالات. وربما لهذا يستمر بعض الناس فى تخيل الحياة التى كان يمكن أن يعيشوها لو أنهم إتخذوا قراراً مختلفاً.
لكن الماضى لا يمنحنا فرصة لإعادة التجربة. وكل ما نستطيع فعله هو أن نتعلم منه. ولذلك فإن النضج لا يعنى أن تنظر إلى أخطائك باعتبارها دليلاً على أنك لم تكن جديراً بالإختيار. وإنما أن تنظر إليها باعتبارها جزءاً من الخبرة التى صنعت شخصيتك.
فالإنسان الذى لم يخطئ قط ربما لم يجرب بما يكفى. والذى لم يندم على قرار ربما لم يمنح نفسه فرصة حقيقية للإختيار. الحياة ليست إمتحاناً نعرف أسئلته مسبقاً ثم نبحث عن الإجابة النموذجية. إنها تجربة مفتوحة. نتعلم فيها أثناء السير. ونكتشف أحياناً أن بعض الطرق لم تكن مناسبة لنا إلا بعد أن نسلكها.
ومن هنا يجب أن نتوقف عن مطالبة أنفسنا بالكمال. القرار الذى تتخذه اليوم سيخرج من شخصيتك الحالية. ومن المعلومات التى تعرفها الآن. ومن الظروف التى تعيشها الآن. لا يمكنك أن تطلب من نفسك أن تتصرف بعقل وخبرة لم تكن لديك وقت إتخاذ القرار.
كثيرون يحاكمون أنفسهم القديمة بعقلهم الحالى. ينظرون إلى قرار مضى عليه سنوات. ثم يقولون: كيف فعلت ذلك؟ ولماذا لم أفهم وقتها؟ لكن الإنسان الذى كنت عليه آنذاك لم يكن يعرف ما تعرفه اليوم. ولم يكن يمتلك بالضرورة الخبرة نفسها. لذلك فإن محاسبة الماضى يجب أن تكون بهدف الفهم. لا بهدف التعذيب.
وقد يكون من أصعب أنواع الندم أن تكتشف أنك أهملت شيئاً مهماً لأنك كنت تخشى خسارة شيء آخر. تركت حلماً لأنك خفت من الفشل. أبعدت شخصاً لأنك خفت من التعلق. رفضت فرصة لأنك خفت من المخاطرة. أخرت البداية لأنك كنت تنتظر الظروف المثالية. ثم إكتشفت بعد ذلك أن الظروف المثالية لم تكن موجودة أصلاً.
وهنا يصبح الخوف من الندم سبباً مباشراً فى صناعة الندم. وهذه مفارقة تستحق التأمل. فأنت ترفض الخطوة حتى لا تندم. ثم تندم لأنك رفضت الخطوة. وتترك الفرصة حتى لا تخسر. ثم تكتشف أنك خسرت فرصة لمجرد أنك خفت من الخسارة.
ولا يعنى ذلك أن نعيش بلا حساب. فالإندفاع ليس شجاعة. والتجربة ليست دعوة إلى تجاهل العواقب. من الحكمة أن يدرس الإنسان قراره. وأن يعرف قدراته. وأن يقدر ما يستطيع تحمله. لكن بعد أن يفعل ذلك. عليه أن يقبل أن جزءاً من المستقبل سيظل مجهولاً.
فلا تجعل الخوف من إحتمال الندم يحرمك من حق التجربة. قد لا تسير الأمور كما تتمنى. وقد تحتاج إلى التراجع أو التعديل. وقد تكتشف أنك إخترت الطريق الخطأ. لكنك فى هذه الحالة ستملك شيئاً ثميناً. وهو المعرفة.
والمعرفة التى تأتى من التجربة قد توفر عليك سنوات من التردد. فبعض الأشياء لا يمكن فهمها بالتفكير وحده. تحتاج إلى أن تعيشها. وبعض الأبواب لا تعرف ما وراءها إلا عندما تفتحها. وبعض الطرق لا تعرف أنها ليست طريقك إلا بعد أن تمشى فيها مسافة كافية.
ومن المهم أيضاً ألا تسمح للآخرين بأن يزرعوا فيك خوف الندم. قد يخبرك شخص بأنك ستندم إذا فعلت. وقد يحذرك آخر من نتيجة لا يعرفها أصلاً. وقد يقدم لك تجاربه الخاصة باعتبارها قانوناً عاماً للحياة. لكن ما حدث له ليس بالضرورة ما سيحدث لك.
لكل إنسان ظروفه وشخصيته وقدرته على الإحتمال. لذلك إستمع إلى النصيحة. لكن لا تتخلَّ عن عقلك. خذ من تجارب الآخرين ما ينفعك. ولا تجعل خوفهم من الحياة يصبح خوفك أنت.
والندم نفسه يمكن أن يتحول إلى قوة إذا أحسنا التعامل معه. عندما تندم على قرار. لا تسأل فقط: لماذا فعلت ذلك؟ إسأل أيضاً: ماذا تعلمت؟ ما الذى لم أكن أعرفه؟ وما الذى سأفعله بصورة مختلفة إذا واجهت موقفاً مشابهاً مرة أخرى؟
بهذه الطريقة يتحول الندم من حجر يثقل خطواتك إلى علامة على الطريق. يصبح جزءاً من خبرتك. لا سجناً تعيش فيه. فالماضى لا يتغير. لكن المعنى الذى نستخرجه منه يمكن أن يتغير.
وقد يكون أعظم إنتصار على الندم أن تتعلم من أخطائك ثم تتوقف عن تكرارها. لا فائدة من أن تقضى بقية عمرك تعاقب نفسك على قرار قديم. إذا كنت قد أخطأت. إعترف. وإذا كنت قد ظلمت أحداً. أصلح ما تستطيع إصلاحه. وإذا ضيعت فرصة. إبحث عن فرصة أخرى. وإذا تأخرت فى البداية. فابدأ الآن.
فالحياة لا تغلق كل أبوابها لأنك أخطأت مرة. قد يتغير الطريق. لكن هذا لا يعنى أنه إنتهى. وقد تضيع فرصة. لكن هذا لا يعنى أن كل الفرص ضاعت. وقد تخسر شخصاً أو مكاناً أو تجربة. لكنك تستطيع أن تحمل منها ما يجعلك أكثر وعياً فيما هو قادم.
والإنسان الذى يتعلم من الندم يصبح أقل خوفاً منه. لأنه يدرك أن الحياة ليست مطالبة منه بأن يصيب فى كل مرة. وإنما تطلب منه أن يتعلم. وأن يصحح. وأن يستمر.
ولعل أخطر ما يفعله الخوف من الندم أنه يجعل الإنسان يعيش وكأنه مطالب بكتابة سيرة ذاتية بلا أخطاء. يريد أن تكون كل قراراته صحيحة. وكل إختياراته موفقة. وكل علاقاته ناجحة. وكل خطواته محسوبة. لكن هذه الصورة لا تنتمى إلى الحياة الحقيقية. الحياة مليئة بالمنعطفات. والإنسان نفسه يتغير. وما كان مناسباً له بالأمس قد لا يناسبه اليوم.
لذلك لا تخف من أن تختار. لا تجعل إحتمال الخطأ يمنعك من إحتمال النجاح. ولا تجعل إحتمال الندم يحرمك من تجربة قد تغير حياتك. كن واعياً فى إختياراتك. لكن لا تطلب من نفسك أن تعرف الغيب.
وحين تقف أمام قرار جديد. لا تسأل فقط: هل سأندم إذا فعلت؟ إسأل أيضاً: هل سأندم إذا لم أفعل؟ ثم إنظر إلى الأمر بعقل هادئ. قد تكتشف أن الخوف كان يضخم المخاطر. وأن الفرصة تستحق المحاولة.
فالندم لا يمكن محوه من حياة الإنسان. لكنه يمكن أن يتحول إلى حكمة. والأخطاء لا يمكن منعها كلها. لكنها يمكن أن تصبح دروساً. والماضى لا يمكن تغييره. لكنه يستطيع أن يجعل المستقبل أكثر نضجاً إذا أحسنا قراءته.
إن أجمل ما يمكن أن يفعله الإنسان لنفسه ليس أن يعيش بلا ندم. وإنما أن يعيش بحيث لا يكون الخوف هو الذى يختار عنه. أن يجرب عندما تستحق التجربة. وأن ينسحب عندما يكون الإنسحاب حكمة. وأن يعتذر عندما يخطئ. وأن يبدأ من جديد عندما يحتاج إلى البداية.
فبعد سنوات طويلة. قد لا يكون السؤال الأهم: كم مرة أخطأت؟ وإنما: كم مرة سمحت لخوفى من الخطأ أن يمنعنى من الحياة؟
وربما كانت بعض أكثر لحظات الندم قسوة هى تلك التى ننظر فيها إلى الماضى. فنكتشف أن الذى منعنا لم يكن نقص القدرة. ولا غياب الفرصة. وإنما الخوف وحده.
لذلك لا تجعل خوفك من الندم يسرق منك فرصة أن تعيش. إختر بوعى. وفكر بعمق. وإحسب ما تستطيع حسابه. ثم تحرك. فإذا نجحت. فاحمد الله. وإذا أخطأت. فتعلم. وإذا تعثرت. فانهض. أما أن تقف طوال حياتك أمام الطريق خوفاً من أن تختار الطريق الخطأ. فذلك قد يكون الندم الأكبر الذى لا تستطيع السنوات أن تصلحه.
