الرقمنة إلى الحجر الصحي
بقلم: د. طه حسين الطواب
ليست «أيام هستيرية» لناصر عراق رواية عن الحب بقدر ما هي رواية عن الخوف من غياب الحب؛ عن رجل وامرأة لا يبحثان عن شريك بقدر ما يبحثان عن شاهد نجاة يثبت لهما أنهما ما زالا قادرين على الحياة والبدء من جديد.
يبدأ ناصر عراق روايته الحادية عشرة، الصادرة عن دار الشروق عام 2021، من حيث تنتهي معظم الروايات: من الحريق. شقة نبيل البنا، الكاتب الستيني المطلق، تحترق وهو وحيد بداخلها. الحريق هنا ليس مجرد حدث بوليسي، بل يبدو استعارة لاحتراق الذات. البيت الذي بناه خلال خمسة وعشرين عاماً من الزواج، وأنجب فيه أربعة أبناء، انتهى، والآن يحترق ما تبقى من مساحته الشخصية. ومن رماد هذا القلق الوجودي، يولد قرار الزواج مرة أخرى.
وهنا يضعنا عراق أمام سؤال الرواية الأهم: هل نتزوج حين نحب، أم حين نخاف الوحدة؟
تكمن إحدى نقاط قوة الرواية في أنها لا تقدم لنا ضحية وجلاداً؛ بل شخصيتين تحمل كل منهما جرحها الخاص.
نبيل البنا نموذج لرجل يواجه قلق الشيخوخة والفراغ. كاتب مشهور اعتاد أن يكون مرغوباً، ثم وجد نفسه فجأة في مواجهة ما يشبه متلازمة العش الفارغ. زواجه السريع عبر فيسبوك، من دون رؤية حقيقية لنسمة، يمكن قراءته بوصفه سلوكاً اندفاعياً تعويضياً؛ محاولة لاستعادة إحساسه بأنه ما زال قادراً على الرغبة والبدء.
هو لا يريد نسمة بقدر ما يريد مرآة تقول له: ما زلت قادراً على أن تبدأ من جديد.
أما نسمة فريد، الأربعينية التي لم تتزوج، فهي الشخصية التي تمنح الرواية جانباً كبيراً من دلالتها. تعيش بين صورتين متناقضتين: صورة رقمية تقدم نفسها من خلالها بوصفها جميلة ومتألقة ومشرقة، وصورة واقعية تكشف امرأة عادية تختبئ خلف الماكياج والمبالغة في تقديم الذات.
اختار ناصر عراق فضاءين يكشفان هشاشة العلاقة بين نبيل ونسمة: فيسبوك وكورونا.
في الفضاء الأول تبدأ العلاقة من خلال صورة وعرض زواج من دون معرفة حقيقية بالآخر. هنا يمارس الكاتب نقداً لفكرة الذات الرقمية؛ فنحن كثيراً ما نقع في حب الصورة التي نصنعها وننقحها ونقدمها للآخرين، لا في حب الشخص بكل ما يحمله من قلق وتردد ونقص.
أما الفضاء الثاني فهو فيروس كورونا. يسافر نبيل ونسمة إلى دبي، ثم يصابان معاً ويدخلان حجراً صحياً إجبارياً. رجل وامرأة هربا من وحدة القاهرة إلى دبي بحثاً عن بداية جديدة، فيجدان نفسيهما محبوسين في شقة واحدة أمام عدوين: الفيروس، وحقيقتهما الشخصية.
كورونا هنا لا يعمل بوصفه وباءً طبياً فقط؛ بل بوصفه كاشفاً نفسياً. فالعزلة الإجبارية تسقط كثيراً من الأقنعة، وتجبر الشخصيات على مواجهة ما حاولت الهروب منه.
المكان بوصفه حالة نفسية:
القاهرة في الرواية تبدو فضاءً للذاكرة الثقيلة والفشل، بينما تمثل دبي محاولة للهروب وبداية جديدة. لكن الانتقال من مكان إلى آخر لا يعني بالضرورة الانتقال من حياة إلى أخرى.
يبدو أن الرواية تقول إن الإنسان لا يستطيع تشييد مكان جديد بأحلام قديمة وجروح لم تُواجه.
لا تأتي نهاية «أيام هستيرية» سعيدة بالمعنى التقليدي، ولا هي حزينة بصورة مباشرة. إنها نهاية تترك القارئ أمام شخصيات لم تجد خلاصاً سهلاً، لكنها أصبحت أكثر قدرة على رؤية جراحها.
ولعل هذا هو جوهر الرواية: الزواج لا يكون دائماً نتيجة للحب، فقد يكون أحياناً محاولة للهروب من الوحدة، أو البحث عن اعتراف، أو الرغبة في إثبات أن الحياة ما زالت تمنح فرصة أخرى.
تقول «أيام هستيرية» شيئاً موجعاً عن العلاقات الإنسانية: قد نظن أننا وجدنا شريكاً يشبه أحلامنا، بينما نكون في الحقيقة قد وجدنا مرآة تعكس جروحنا.
لهذا تبدو الرواية جديرة بالقراءة؛ لأنها لا تقدم الزواج بوصفه نهاية سعيدة لمشكلة الوحدة، ولا الحب بوصفه علاجاً لكل الجراح، إنما تضع الإنسان أمام سؤال أكثر صعوبة: هل نبحث عن الآخر لأننا نحبه، أم لأننا نخاف أن نواجه أنفسنا وحدنا؟
