الخوف من الوحدة يحاصر القلب بالقلق
بقلم: المهندس. يـاسـر أبو الغـيط
إن أخطر ما يفعله الخوف من الوحدة أنه يجعل الإنسان يبحث عن وجود الآخرين بأى ثمن. فقد يتمسك بعلاقة تؤذيه. أو يقبل معاملة لا تليق به. أو يبقى فى مكان فقد فيه الراحة والإحترام. ليس لأنه لا يدرك ما يحدث. بل لأنه يخشى الفراغ الذى يظن أنه سيأتى بعد الرحيل.
وهنا يجب أن يدرك الإنسان أن البقاء فى علاقة مؤلمة ليس علاجاً للوحدة. بل قد يكون نوعاً آخر من الوحدة. فهناك إنسان يجلس بجوار شخص آخر. لكنه يشعر بأنه غير مفهوم ولا مُقدَّر. وهناك إنسان يعيش بمفرده. لكنه يشعر بالسلام والرضا. فالقرب الحقيقى ليس بالمسافة. وإنما بالصدق والإهتمام.
إن بعض الناس يهربون من مواجهة أنفسهم لأنهم يخافون من الهدوء. فالإنسان عندما يجلس مع نفسه قد يكتشف مشاعر كان يؤجل مواجهتها. وقد يتذكر أحلاماً تركها. أو أخطاء يحتاج إلى إصلاحها. ولذلك يفضل البعض الضوضاء المستمرة على لحظة صدق مع النفس.
لكن مواجهة النفس ليست أمراً مخيفاً. بل هى بداية النضج. فالإنسان الذى يعرف نفسه جيداً يصبح أكثر قدرة على إختيار علاقاته. ولا يدخل حياة الآخرين بحثاً عن إنقاذ. بل يدخلها وهو يمتلك توازناً داخلياً. فيصبح وجود الناس إضافة جميلة لحياته. وليس وسيلة للهروب من فراغه.
ولكى يهزم الإنسان خوف الوحدة. عليه أن يبنى حياة لها معنى. فالهوايات. والتعلم. والعمل. وخدمة الآخرين. كلها أمور تمنح الإنسان شعوراً بالقيمة والإنتماء. فالقلب الذى يمتلئ بالهدف لا تسيطر عليه مشاعر الفراغ بسهولة.
كما أن العلاقات الإنسانية تحتاج إلى وعى. فليس المطلوب أن يكون حول الإنسان عدد كبير من الأشخاص. وإنما أن يكون لديه أشخاص صادقون يشعر معهم بالأمان. فعلاقة واحدة قائمة على الإحترام والصدق قد تكون أثمن من عشرات العلاقات السطحية.
ومن المهم أيضاً أن يتعلم الإنسان قبول مراحل التغير فى حياته. فهناك أوقات يبتعد فيها بعض الأشخاص. وتتغير الظروف. وينتقل الإنسان من مرحلة إلى أخرى. وهذه التغيرات لا تعنى أن الحياة فقدت معناها. بل تعنى أن الحياة تفتح أبواباً جديدة تحتاج إلى قلب مستعد لإستقبالها.
إن الخوف من الوحدة قد يجعل الإنسان ينسى أن أقوى علاقة يمكن أن يمتلكها هى علاقته بنفسه. فالإنسان الذى يحترم ذاته. ويعرف قيمته. ويستطيع أن يعيش لحظاته بهدوء. يكون أكثر قدرة على بناء علاقات ناجحة. لأنه لا يدخلها من باب الإحتياج الشديد. بل من باب المشاركة والمحبة.
وتذكر أن الوحدة ليست دائماً علامة على الخسارة. فقد تكون أحياناً فرصة لإعادة ترتيب النفس. ومراجعة الطريق. وإستعادة القوة التى فقدها الإنسان وسط إنشغالات الحياة. فبعض اللحظات الهادئة تصنع داخل الإنسان وعياً لا تمنحه له سنوات من الضجيج.
لا تجعل خوفك من الوحدة يجعلك تقبل بأقل مما تستحق. فوجود الآخرين نعمة. لكنه لا يجب أن يكون سبباً لفقدان كرامتك أو سلامك الداخلى. إبحث عن القلوب الصادقة. وكن أنت أيضاً قلباً صادقاً. وإعلم أن الإنسان الذى يجد الطمأنينة بداخله لا تخيفه لحظات الغياب.
