📁 آخر الأخبار

السعادة معنى أعمق من الفرح

 السعادة معنى أعمق من الفرح


بقلم: المهندس. يـاسـر أبو الغـيط

السعادة كلمة صغيرة فى عدد حروفها. لكنها واسعة إلى حد يصعب معه وضعها فى تعريف واحد. فكل إنسان يراها من نافذة مختلفة. هناك من يراها فى المال. وهناك من يجدها فى بيت هادئ. وهناك من يربطها بالنجاح. وهناك من لا يريد أكثر من قلب مطمئن. وربما كان أجمل ما فى السعادة أنها لا تشبه شيئاً واحداً عند الجميع. لأنها ليست قالباً جاهزاً يرتديه البشر. وإنما إحساس خاص يتشكل داخل الإنسان من تفاصيل حياته وتجربته ونظرته إلى الأشياء.

وقد يملك الإنسان كثيراً من أسباب الراحة. ثم يكتشف أنه لا يشعر بالسعادة. وقد يعيش آخر حياة بسيطة لا تملك الكثير من مظاهر الرفاهية. لكنه يستيقظ كل صباح وهو يشعر بأن حياته تستحق أن تعاش. وهنا يظهر الفرق بين أن تكون الحياة ممتلئة بالأشياء. وأن يكون القلب ممتلئاً بالمعنى. فالسعادة لا تقاس دائماً بما نمتلكه. وإنما بما نشعر به تجاه ما نملك.

ليست السعادة أن يضحك الإنسان طوال الوقت. فالضحك جزء من الحياة. لكنه ليس الحياة كلها. الإنسان السعيد قد يحزن. وقد يمر بأيام ثقيلة. وقد يبكى على فقد أو خيبة أو فراق. لكنه لا يسمح للحزن بأن يصبح تعريفاً دائماً لحياته. يعرف أن الحزن مرحلة. وأن الألم مهما طال ليس بالضرورة نهاية الطريق. وأن الإنسان يستطيع أن يحمل جرحه دون أن يتحول الجرح إلى وطن يسكن فيه بقية عمره.

السعادة الحقيقية تبدأ من الداخل. من علاقة الإنسان بنفسه. فالذى يعيش فى خصومة دائمة مع ذاته لن تنقذه كثرة العلاقات. ولن تمنحه الأشياء التى يشتريها سلاماً دائماً. وقد يجلس بين الناس وهو يشعر بوحدة شديدة. وقد يعيش فى بيت جميل وهو لا يشعر بالأمان. وقد ينجح فى عمله ثم يعود إلى نفسه فيكتشف أنه أهمل الإنسان الذى بداخله طويلاً. لذلك فإن أول سؤال فى طريق السعادة ليس ماذا أملك. وإنما كيف أعيش مع نفسى.

وفى الحياة الأسرية تتخذ السعادة شكلاً أكثر دفئاً. ليست الأسرة السعيدة هى التى تخلو من الخلافات. فهذا أمر لا يحدث فى الحياة الطبيعية. وإنما هى الأسرة التى تعرف كيف تختلف دون أن تهدم جسور المحبة. وكيف تغضب دون أن تهين. وكيف تعاتب دون أن تجرح. وكيف تسامح دون أن تجعل التسامح باباً لتكرار الأذى. فالبيت السعيد ليس بيتاً بلا مشكلات. وإنما بيت يعرف أفراده أن المحبة أكبر من لحظة غضب.

وقد تكون السعادة الأسرية فى أشياء تبدو بسيطة جداً. فى سؤال صادق عن الحال. فى كوب شاى يقدم بمحبة. فى كلمة تقدير. فى ضحكة تجمع أفراد الأسرة حول موقف عابر. فى يد تمتد وقت الحاجة. فى شخص يشعر أنك موجود من أجله دون أن يطلب منك ذلك. هذه التفاصيل الصغيرة قد تكون أثمن من أشياء كثيرة يظن الإنسان أنها تصنع السعادة.

أما الصداقة. فهى واحدة من أجمل المساحات التى يمكن أن يجد فيها الإنسان جزءاً من سعادته. والصديق الحقيقى ليس الشخص الذى يشاركك الضحك فقط. وإنما الذى يستطيع أن يجلس إلى جوارك فى صمت دون أن تشعر بالحاجة إلى التظاهر بأنك بخير. هو الذى لا يحول صداقتك إلى منافسة. ولا يقيس قيمتك بما تملك. ولا يختفى بمجرد أن تمر بمرحلة صعبة. فبعض الأصدقاء لا يضيفون سنوات إلى العمر. لكنهم يضيفون معنى إلى السنوات.

وفى العمل أيضاً يمكن أن يجد الإنسان قدراً كبيراً من السعادة. وليس المقصود أن يحب الإنسان كل لحظة فى عمله. فهذا غير واقعى. وإنما أن يشعر بأن ما يفعله له قيمة. وأن جهده ليس بلا معنى. وأنه يتطور مع الوقت. وأنه يستطيع أن ينظر إلى ما أنجزه فيشعر بالرضا. فالعمل الذى يمنح الإنسان الإحساس بالإنجاز والإحترام والتقدير يمكن أن يكون أحد مصادر السعادة. بينما العمل الذى يتحول إلى مجرد إنتظار لنهاية اليوم قد يستنزف الإنسان حتى لو كان دخله جيداً.

ومن أكثر الأشياء التى تسرق السعادة من الإنسان أن يقارن حياته بحياة الآخرين. فالمقارنة لا تعرض لنا الحقيقة كاملة. نحن نرى من حياة الآخرين واجهتها. ولا نرى ما خلف الأبواب المغلقة. نرى نجاحهم. ولا نرى خوفهم. نرى إبتسامتهم. ولا نعرف عدد الليالى التى قضوها فى القلق. نرى ما وصلوا إليه. ولا نرى الطريق الذى قطعوه. ولهذا قد يقضى الإنسان عمره حزيناً لأنه يريد حياة شخص آخر. بينما توجد فى حياته أشياء يتمنى غيره أن يمتلكها.

السعادة أيضاً لا تعنى أن يحصل الإنسان على كل ما يريد. فهذه الفكرة لو أصبحت شرطاً للسعادة جعلت الإنسان أسيراً للرغبات التى لا تنتهى. كلما حصل على شيء بحث عن آخر. وكلما وصل إلى هدف وضع أمامه هدفاً جديداً. وهكذا يتحول العمر إلى مطاردة مستمرة لما لم يصل إليه بعد. أما الإنسان الأكثر نضجاً. فهو الذى يعرف كيف يفرح بما حققه. وكيف يسعى إلى ما يريد دون أن يحتقر ما بين يديه.

وليس الرضا إستسلاماً كما يظن البعض. الرضا أن تعرف قيمة ما لديك. وأن تعمل من أجل ما ينقصك دون أن تكره حياتك الحالية. أن تطمح دون جشع. وأن تحلم دون أن تجعل الحلم شرطاً وحيداً لفرحتك. فالإنسان يستطيع أن يسعى إلى الأفضل. وفى الوقت نفسه يقدّر ما هو موجود بالفعل. وهذه القدرة وحدها يمكن أن تمنحه قدراً كبيراً من الإتزان.

ومن أقسى ما يفعله الإنسان بنفسه أن يؤجل سعادته. يقول لنفسه سأكون سعيداً عندما أحقق هذا الهدف. أو عندما أمتلك هذا المال. أو عندما أتزوج. أو عندما ينتهى هذا الأمر. ثم يصل إلى ما إنتظره طويلاً فيجد أن هناك شيئاً آخر ينتظره. وهكذا تتحول السعادة إلى موعد مؤجل بإستمرار. وربما تمر السنوات دون أن يكتشف الإنسان أن حياته كانت تحدث أمامه. بينما كان هو منشغلاً بإنتظار الحياة التى يتخيل أنها ستبدأ لاحقاً.

السعادة لا تحتاج دائماً إلى مناسبة كبيرة. أحياناً تبدأ من قدرة الإنسان على ملاحظة الأشياء الصغيرة. صباح هادئ. حديث جميل. صديق مخلص. صحة تسمح له بالحركة. عمل يؤديه بإتقان. شخص يحبه. مكان يشعر فيه بالأمان. لحظة تأمل بعيداً عن الضجيج. هذه التفاصيل قد تبدو عادية لأنها تتكرر. لكن قيمتها تظهر عندما نفقدها. ولذلك فإن الإنسان الذى لا يرى النعم الصغيرة قد يعيش منتظراً معجزة كبيرة لا تأتى.

وهناك نوع آخر من السعادة لا يراه كثيرون. وهو أن يشعر الإنسان بأنه كان سبباً فى إسعاد شخص آخر. كلمة طيبة قد تغير يوماً كاملاً لإنسان متعب. مساعدة بسيطة قد ترفع عن شخص حملاً ثقيلاً. إبتسامة صادقة قد تمنح غريباً شعوراً بأنه ما زال يرى خيراً فى العالم. وحين يفعل الإنسان الخير دون إنتظار مقابل. فإنه لا يمنح الآخرين شيئاً فقط. بل يمنح نفسه أيضاً شعوراً عميقاً بقيمة وجوده.

وقد تكون السعادة فى أن يتعلم الإنسان فن التخلى. التخلى عن علاقة تستنزفه. وعن خصومة إنتهى وقتها. وعن رغبة فى الإنتقام. وعن أشخاص لا يعرفون قيمة وجوده. وعن ذكريات يجب أن تبقى فى مكانها الصحيح. فليس كل ما نفقده خسارة. أحياناً يكون الفقد مساحة جديدة يتنفس فيها الإنسان. وأحياناً تكون نهاية علاقة مؤلمة بداية لعلاقة أكثر نضجاً مع النفس والحياة.

والسعادة تحتاج أيضاً إلى حدود. فالإنسان الذى يسمح للجميع بالدخول إلى حياته. والتدخل فى تفاصيله. والحكم على إختياراته. وتحديد ما يجب أن يشعر به. لن يستطيع أن يعيش هادئاً. من حق الإنسان أن يقول لا. ومن حقه أن يحتفظ ببعض خصوصيته. ومن حقه أن يختار من يمنحهم وقته وإهتمامه. فحماية السلام الداخلى ليست أنانية. وإنما ضرورة حتى يستطيع الإنسان أن يعيش علاقاته بصورة صحية.

وربما يكون أعظم تعريف للسعادة أنها القدرة على أن تعيش حياتك دون أن تكون فى حرب دائمة مع نفسك. أن تعرف أنك لست كاملاً. وأن تتقبل أخطاءك دون أن تتوقف عن إصلاحها. أن تعرف أن بعض الأشياء لن تتغير. فتتوقف عن إستنزاف نفسك فى محاولة تغييرها. وأن تدرك أن بعض الخسارات جزء من الحياة. وأن بعض الأبواب ستغلق مهما طرقت عليها. وأن الطريق الذى لم يفتح لك ربما يكون قد حماك من شيء لم تكن تراه.

السعادة ليست حياة بلا خوف. وليست حياة بلا حزن. وليست حياة بلا مشكلات. السعادة أن يمتلك الإنسان القدرة على عبور هذه الأشياء دون أن يفقد نفسه. أن يسقط ثم يحاول الوقوف. أن يتألم ثم يستعيد قدرته على الحب. أن يفشل ثم يبدأ من جديد. أن يختلف مع الآخرين دون أن يفقد إحترامه لهم. وأن يخرج من التجارب الصعبة أكثر فهماً للحياة. لا أكثر قسوة.

وربما لا تكون السعادة مكاناً يصل إليه الإنسان. وإنما طريقة ينظر بها إلى الطريق. قد لا نستطيع أن نختار كل ما يحدث لنا. لكننا نستطيع أن نختار الطريقة التى نتعامل بها معه. نستطيع أن نبحث عن المعنى وسط الألم. وعن الأمل وسط الخيبة. وعن المحبة وسط الإختلاف. وعن الضوء حتى فى الأيام التى يبدو فيها الطريق معتماً.

السعادة ليست أن تمتلك حياة مثالية. فلا توجد حياة مثالية. وإنما أن تصنع من حياتك شيئاً تستطيع أن تنظر إليه دون أن تشعر أنك عشتها كلها من أجل الآخرين. أن تحب من يستحق الحب. وأن تحفظ كرامتك. وأن تعمل بما تستطيع. وأن تفرح بما لديك. وأن تسعى إلى الأفضل دون أن تكره حاضرك. وأن تترك فى حياة من حولك أثراً طيباً. وعندها ربما تكتشف أن السعادة لم تكن بعيدة كما كنت تظن. كانت موجودة فى تفاصيل حياتك. لكنك كنت مشغولاً بالبحث عنها فى مكان آخر.



تعليقات