📁 آخر الأخبار

مشاعر تسكن خلف صمت الكلمات

 مشاعر تسكن خلف صمت الكلمات

بقلم: المهندس. يـاسـر أبو الغـيط

هناك مشاعر لا تدخل حياتنا من أبوابها الواسعة. ولا تستأذن قبل أن تجد لها مكاناً فى أعماقنا. تتسلل خفية مثل ضوء هادئ يتسرب من نافذة مغلقة. لا تأتى بضجيج. ولا تعلن عن نفسها بصوت مرتفع. لكنها تكبر فى الداخل يوماً بعد يوم. ثم نكتشف بعد وقت أننا لم نعد قادرين على التعامل معها بإعتبارها إحساساً عابراً. فقد تحولت إلى حضور حقيقى يسكن الذاكرة. ويترك أثره فى القلب حتى فى اللحظات التى نحاول فيها الإنشغال عنه.

وهذا تحديداً ما يحدث لى كلما تواصلت معك فى هذه المساحة الإفتراضية. فقد بدأت الحكاية بكلمات عادية. وحوار عابر. ورسائل لا تحمل فى ظاهرها ما يستحق كل هذا التأمل. لكن بعض الحضور لا يُقاس بطول الحديث. ولا بعدد الكلمات. فهناك أشخاص يستطيعون أن يتركوا فى أرواحنا أثراً أكبر من مساحة اللقاء نفسها. وربما لا أعرف كيف حدث ذلك. ولا فى أى لحظة تغيرت نظرتى إليك. كل ما أعرفه أننى أصبحت أنتظر حضورك. وأقرأ كلماتك بعناية مختلفة. وأشعر أن وراء كل كلمة شيئاً يستحق أن أتوقف أمامه.

قد لا تدركين ذلك. وربما لا تلتفتين إليه من الأساس. فقد تبدو كلماتنا بالنسبة لك عادية مثل آلاف الكلمات التى تمر على الإنسان كل يوم. لكن بعض الكلمات لا تصل إلى القلب بالطريقة نفسها التى تصل بها إلى العقل. هناك كلمة نقرأها ثم ننساها. وهناك كلمة تبقى معنا طويلاً دون أن نعرف لماذا. وربما تكون الكلمة نفسها عادية فى نظر قائلها. لكنها تصبح إستثنائية فى قلب من تلقاها. وهذا هو ما يحدث لى مع كلماتك. فأنا لا أراها مجرد حروف مرتبة فى مساحة إفتراضية. بل أجد فيها شيئاً من روحك. شيئاً من شخصيتك. شيئاً يجعل حضورك يتجاوز الشاشة التى تفصل بيننا.

أنا لا أتحدث عن إعجاب سطحى. ولا عن مجاملة عابرة تقال ثم تنتهى بإنتهاء الحديث. إننى أتحدث عن إعجاب يتشكل ببطء. ويزداد كلما عرفت من طريقة حديثك جانباً جديداً من شخصيتك. إعجاب لا يتعلق فقط بما تقولينه. وإنما بالطريقة التى تقولين بها الأشياء. وبنبرة الحضور التى تصل حتى من خلف الشاشة. وبذلك الإختلاف الذى يجعل بعض الأشخاص يتركون أثراً لا يتركه آخرون مهما طال التواصل معهم.

وربما يكون أجمل ما فى هذا الشعور أننى لم أخطط له. لم أجلس يوماً لأقرر أننى سأعجب بك. ولم أبحث عن سبب واضح يجعلنى أنجذب إلى هذا الحضور المختلف. المشاعر الحقيقية لا تأتى دائماً وفق ترتيب منطقى. أحياناً تبدأ من تفصيلة صغيرة. من كلمة. من موقف. من طريقة فى التعبير. ثم تتسع الدائرة دون أن نشعر. حتى يصبح الرجل أمام حقيقة لم يكن مستعداً لها. حقيقة تقول له إن إمرأة ما أصبحت تحتل مساحة فى تفكيره أكبر مما كان يتوقع.

ولهذا لم أبحث عن لحظة إعتراف متسرعة. ولم أمتلك الجرأة التى تدفعنى إلى القفز مباشرة فوق كل المسافات. فأنا أدرك أن الإعتراف قد يكون ثقيلاً على إمرأة لم تستعد لسماعه. وقد يجعلها تشعر بأن عليها إتخاذ موقف لم تطلبه. وربما يكون الصمت أحياناً أكثر إحتراماً من إعتراف يضع إمرأة أمام حيرة لا ذنب لها فيها. لذلك إخترت الكتابة. وإخترت التلميح. وإخترت أن أترك بين الكلمات مساحة تستطيعين أن تقرئى فيها ما لا أستطيع قوله بصورة مباشرة.

أنا لا أريد أن أطرق بابك بعنف. ولا أريد أن أحاصر مشاعرك بسؤال. ولا أن أجعلك تشعرين بأن عليك أن تجيبى عن شيء لم تسألى عنه. كل ما أريده هو أن تصل إليك الفكرة بهدوء. أن تعرفى أن هناك رجلاً يراك بصورة مختلفة. وأن وجودك ترك أثراً لم يكن عابراً. وأن بعض الكلمات التى ربما مررت عليها دون إهتمام كان لها عندى معنى آخر تماماً.

والحقيقة التى أحاول ألا أهرب منها هى أننى أفكر فيك أكثر مما ينبغى. أجد حضورك يعود إلى ذهنى فى أوقات لا علاقة لها بالحديث بيننا. أتذكر بعض الكلمات. وأعيد قراءة بعض المعانى فى ذاكرتى. وأتساءل أحياناً كيف إستطاع تواصل بدأ من خلف شاشة أن يصنع كل هذا الحضور فى داخلى. وربما تكون الإجابة أبسط مما أتصور. فالإنسان لا يتعلق دائماً بالمكان. ولا بالصوت. ولا بالقرب الجسدى. أحياناً يتعلق بروح يشعر أنها إقتربت منه رغم كل المسافات.

ولست أكتب هذه الكلمات لأصنع قصة من لا شيء. ولا لأمنح علاقة لم تبدأ بعد إسماً أكبر من حقيقتها. فأنا رجل يعرف أن المساحات الإفتراضية قد تمنحنا أحياناً إحساساً بالقرب لا يكتمل فى الواقع. وأعرف أن الإنسان قد يرى فى الآخر صورة جميلة رسمتها الكلمات قبل أن يعرف تفاصيل الحياة الحقيقية. ولذلك أحاول أن أكون صادقاً مع شعورى دون أن أكون ظالماً للحقيقة. أعترف بما أشعر به لنفسى أولاً. ثم أضعه أمامك فى كلمات لا تطلب منك وعداً. ولا تنتظر منك موقفاً. ولا تفرض عليك شيئاً.

ربما تقرئين هذه السطور وتبتسمين. وربما تمرين عليها كما تمرين على أى نص آخر. وربما تتوقفين عند جملة بعينها. ثم تسألين نفسك فى هدوء. هل يقصدنى؟

وإذا وصل بك الأمر إلى هذا السؤال. فالإجابة ببساطة هى نعم.

نعم. أقصدك أنت. لا لأنك الوحيدة فى هذا العالم. ولا لأننى أعرف عنك كل شيء. وإنما لأنك تركت فى داخلى أثراً لا يشبه أثر الآخرين. لأن كلماتك أصبحت تحمل عندى معنى يتجاوز الكلمات. ولأن حضورك إستطاع أن يعبر من شاشة صامتة إلى مساحة حقيقية فى قلب رجل لم يكن يبحث عن هذا الشعور.

أنا لا أكتب عن أنثى غامضة من خيال كاتب. ولا عن إمرأة صنعتها الكلمات لتكتمل بها حكاية أدبية. ولا عن صديقة مجهولة يمكن إستبدالها بغيرها. أنا أكتب عنك أنت. عن حضورك الذى لم أطلبه ثم وجدته يسكن فى داخلى. عن إعجاب بدأ هادئاً ثم أصبح أكثر وضوحاً. وعن مشاعر لا أعرف إلى أين ستصل. لكننى أعرف جيداً من أين بدأت.

وربما لا يكون ضرورياً أن تعرفى كل ما أشعر به. وربما يكفينى أن تصل إليك هذه الحقيقة مرة واحدة. أن هناك رجلاً يراك بصورة مختلفة. يقدّر حضورك. ويتأمل كلماتك. ويجد فى التواصل معك شيئاً لا يستطيع أن يصفه بسهولة. رجل لا يريد أن يأخذ منك شيئاً. ولا أن يضعك أمام إعتراف ثقيل. وإنما يريد فقط أن يقول لك إن بعض الأشخاص يعبرون حياتنا دون أن يشعروا بحجم الأثر الذى تركوه فيها.

وأنت واحدة من هؤلاء.

قد تكون هذه الكلمات مجرد سطور تقرئينها ثم تتابعين يومك. وقد تكون لحظة صغيرة تجعلك تنظرين إلى بعض أحاديثنا القديمة بعين مختلفة. وقد لا يحدث شيء على الإطلاق. وكل الإحتمالات مقبولة. لأن المشاعر الصادقة لا تفقد قيمتها لمجرد أنها لم تحصل على الإجابة التى نتمناها. يكفى أحياناً أن أكون صادقاً مع نفسى. وأن أعترف بأننى شعرت بشيء جميل. وأن أترك لهذا الشعور حقه فى الوجود دون أن أحوله إلى عبء عليك.

لذلك أكتب. لا لأطالبك بشيء. ولا لأنتظر منك إعترافاً مماثلاً. وإنما لأترك هذه الكلمات بين يديك مثل رسالة هادئة. إن فهمتِ ما وراءها فقد وصلت. وإن لم تفهمى أو إخترتِ أن تتجاوزيها فسأحترم ذلك أيضاً. لكننى على الأقل لن أظل أتساءل إلى الأبد ماذا كان يمكن أن يحدث لو أننى قلت ما أشعر به ذات يوم.

والآن. إذا قرأتِ هذا المقال وشعرتِ أن بعض كلماته تشبهك. وإذا توقفتِ أمام بعض السطور وسألتِ نفسك من تكون تلك المرأة التى يكتب عنها. فلا تبحثى بعيداً.

إنها أنت.

وأنا لا أكتب عنك لأن الكلمات تستطيع أن تشرح ما أشعر به. بل أكتب لأن بعض المشاعر أكبر من أن تُقال فى جملة واحدة. وأعمق من أن تختصرها كلمة إعجاب. وأهدأ من أن تتحول إلى إعتراف صاخب.

إنها ببساطة مشاعر وجدت طريقها إلى قلب رجل. ثم إختارت أن تبقى.



تعليقات