📁 آخر الأخبار

ما بين الحب والصداقة مقامٌ آخر

ما بين الحب والصداقة مقامٌ آخر


بقلم: المهندس. يـاسـر أبو الغـيط


هناك علاقات لا تستطيع الكلمات المعتادة أن تمنحها تعريفاً دقيقاً. لا هى حب بالمعنى الذى إعتدناه. ولا هى صداقة بالمعنى الذى نعرفه. ولا هى علاقة عابرة يمكن أن تنتهى بإنتهاء ظرف أو إبتعاد مكان. إنها مساحة إنسانية أعمق من التصنيفات. مساحة لا تقوم على كثرة اللقاء. ولا تحتاج إلى حضور دائم حتى تثبت وجودها. إنها علاقة أساسها الإحترام. وسقفها الثقة. وجدرانها الأمان. وكلما نضجت الأرواح أصبحت أقل إحتياجاً إلى التفسير وأكثر قدرة على الفهم.

فى العلاقات العادية قد يحتاج الإنسان دائماً إلى التأكيد. يحتاج إلى السؤال. وإلى الإطمئنان. وإلى معرفة مكانته عند الطرف الآخر. أما هذه العلاقة النادرة فلا تُرهق أصحابها بكثرة الأسئلة. لأن الثقة فيها ليست كلمة تُقال عند الحاجة. وإنما هى يقين يتكوّن عبر الزمن. ويترسخ بالمواقف. ويصبح مع مرور الأيام جزءاً من طبيعة العلاقة نفسها. لذلك لا يشعر أحد الطرفين بأن غياب الآخر تهديد. ولا يرى فى تأخره إهانة. ولا يفسر الصمت على أنه جفاء. فهناك دائماً يقين داخلى بأن المسافة لا تغيّر مكانة الأرواح التى تعارفت بصدق.

وهنا تظهر قيمة الإحترام. فالإحترام ليس مجرد أدب فى الحديث. وليس مجموعة من الكلمات المهذبة التى نقولها أمام الآخرين. الإحترام الحقيقى هو أن تعرف حدود الإنسان الذى أمامك. وأن تدرك أن له حياته الخاصة. ومشاعره الخاصة. ووقته الخاص. وأن تحبه أو تقدره دون أن تحاول إمتلاكه. وأن تمنحه مساحة يتحرك فيها دون أن تفسر إستقلاله على أنه إبتعاد. فكل علاقة ناضجة تعرف أن القرب الحقيقى لا يعنى إلغاء المسافات. وإنما يعنى أن تظل الروح قريبة حتى عندما تتسع المسافة بين الأشخاص.

ولهذا لا تحتاج هذه العلاقة إلى الغيرة التى تُفسد الحب. ولا إلى المراقبة التى تُرهق الصداقة. ولا إلى العتاب المستمر الذى يحوّل المشاعر الجميلة إلى حسابات يومية. إنها علاقة لا تسأل كثيراً عن سبب الغياب. لأنها تعرف أن الإنسان قد تسرقه الحياة. وقد يثقل قلبه ما لا يستطيع شرحه. وقد يحتاج إلى أن يبتعد قليلاً حتى يستعيد إتزانه. ومن يحب بصدق لا يحاصر الآخر بأسئلته. بل يترك له الباب مفتوحاً للعودة دون أن يشعر بأنه مطالب بتقديم كشف حساب عن كل دقيقة غاب فيها.

والأجمل فى هذه العلاقة أنها تتجاوز العتاب. ليس لأنها لا تتألم. وإنما لأنها تفهم أن بعض الألم لا يحتاج إلى محاكمة. وأن بعض الأخطاء لا تستحق أن تهدم سنوات من الثقة. وأن الإنسان الذى نحبه أو نحترمه قد يخطئ. وقد يتغير مزاجه. وقد تضعفه ظروفه. وقد يقول كلمة لم يقصد أثرها. والنضج الحقيقى هو أن نفرّق بين الخطأ العابر وبين الخيانة المتعمدة. وبين لحظة ضعف وبين إهانة مقصودة. وبين إختلاف الطباع وبين سقوط القيم.

أما الشك فهو العدو الأكبر لهذا النوع من العلاقات. فالشك لا يحتاج إلى دليل حتى يكبر. يكفيه فراغ صغير فى القلب حتى يبدأ فى صناعة الحكايات. ويكفيه صمت قصير حتى يفتح أبواباً واسعة من التأويل. ولذلك فإن العلاقة التى تقوم على الثقة لا تسمح للشك أن يصبح شريكاً ثالثاً فيها. لأن الإنسان الذى يعيش أسيراً للشك لا يرى الحقيقة كما هى. وإنما يراها كما يخاف أن تكون. ومع الوقت يتحول الخوف إلى إتهام. ويتحول الإتهام إلى جفاء. ثم تصبح العلاقة ضحية لأشياء لم تحدث أصلاً.

وهناك فارق كبير بين الثقة والسذاجة. فالثقة لا تعنى أن نغلق أعيننا عن الحقيقة. ولا تعنى أن نقبل الأذى بلا حدود. وإنما تعنى أن نعطى الإنسان حسن الظن ما دام سلوكه لا يفرض علينا غير ذلك. فإذا ظهرت الحقيقة تعاملنا معها بعقل. وإذا ثبت الخطأ وضعنا له حدوداً. وإذا ثبتت المحبة تمسكنا بها. أما أن نحكم على الآخرين من خلال مخاوفنا وحدها. فذلك ليس وعياً. وإنما هو ظلم لأنفسنا ولمن منحناه مكانة فى حياتنا.

ومن أرقى ما فى هذه العلاقة أنها لا تتأثر بسهولة بالمسافات. فقد يبعد المكان بين شخصين. وقد تمر شهور دون لقاء. وقد تتغير ظروف الحياة. وقد يأخذ كل واحد طريقاً مختلفاً. ومع ذلك تبقى هناك منطقة داخل القلب لم يصل إليها البعد. لأن العلاقات العميقة لا تقاس بعدد الرسائل. ولا بعدد المكالمات. ولا بعدد اللقاءات. وإنما بما تركه الإنسان فى روح الإنسان الآخر من أثر لا يمحوه الغياب.

قد يغيب شخص عن عينيك سنوات. ثم تلتقيه فجأة فتشعر أن المسافة لم تكن موجودة. لا تحتاج إلى مقدمات طويلة. ولا إلى إعادة إكتشاف العلاقة من جديد. يكفى أن تلتقى العينان حتى تعود أشياء كثيرة إلى مكانها. وكأن الزمن لم يستطع أن يقطع الخيط الخفى الذى ظل ممتداً بين روحين. هذه اللحظة تحديداً تكشف لنا أن بعض العلاقات لا تعيش على التواصل المستمر. وإنما تعيش على صدق الشعور.

إنها علاقة تجعل الروح مطمئنة. وتمنح القلب حالة من السكون لا يستطيع الإنسان أن يشرحها بسهولة. فليس كل شخص نرتاح إليه نحتاج إلى أن نحبه. وليس كل شخص نحبه نستطيع أن نطمئن إليه. وقد تكون أعظم العلاقات الإنسانية هى تلك التى تمنحك الأمان دون أن تطالبك بشىء. تشعر معها أنك تستطيع أن تكون على طبيعتك. دون تمثيل. ودون مبالغة. ودون خوف من أن تستخدم نقاط ضعفك ضدك يوماً.

الأمان هنا ليس وعداً بالكلمات. وإنما هو إحساس يتكون من مواقف صغيرة. من سر لم يخرج. ومن ضعف لم يتحول إلى سلاح. ومن خلاف لم يتحول إلى فضيحة. ومن غياب لم يتحول إلى فرصة للطعن. ومن إختلاف لم يتحول إلى خصومة. وعندما يصل الإنسان إلى هذه الدرجة من الأمان فإنه لا يعود مضطراً إلى إرتداء الأقنعة. لأن الطرف الآخر لم يعد مجرد شخص فى حياته. وإنما أصبح مساحة يستطيع أن يستريح فيها من ضجيج العالم.

ولذلك فإن هذه العلاقة أرقى من مجرد التعريف. لأنها لا تحتاج إلى إسم حتى تكون حقيقية. بعض الأشياء تفقد جزءاً من جمالها عندما نحاول حبسها داخل كلمة واحدة. فالحب كلمة كبيرة. والصداقة كلمة عظيمة. لكن هناك مشاعر تقف فى منطقة أوسع من الاثنين. مشاعر لا تبحث عن إمتلاك. ولا تطلب مقابلاً. ولا تحتاج إلى إثبات مستمر. يكفى أن تعرف أن هناك إنساناً فى هذا العالم يفهمك. ويحترمك. ويثق بك. ويترك لك مكانك دون أن يطالبك كل يوم بإثبات أنك ما زلت فيه.

وهذه العلاقة لا تعنى بالضرورة أن أصحابها لا يختلفون. بل ربما يختلفون كثيراً. لكن الفرق أن الإختلاف لا يتحول إلى تهديد. ولا يصبح مناسبة لكسر ما بنته السنوات. فالنضج لا يجعلنا متشابهين. وإنما يجعلنا قادرين على إحترام إختلافنا. قد نرى الحياة من زاويتين مختلفتين. وقد نختلف فى بعض القرارات. وقد لا نفهم كل تفاصيل بعضنا. لكننا نعرف أن الإختلاف لا يلغى القيمة. وأن الإنسان لا يحتاج إلى أن يكون نسخة منا حتى يستحق مكانته فى قلوبنا.

وفى زمن أصبحت فيه العلاقات سريعة وسهلة الإنقطاع. أصبحت هذه الروابط أكثر ندرة وأكثر قيمة. كثير من العلاقات اليوم تقوم على الحضور الدائم. وعلى الرد السريع. وعلى المتابعة المستمرة. وكأن قيمة الإنسان أصبحت مرتبطة بعدد الرسائل التى يرسلها. وعدد المرات التى يظهر فيها. وهذا تصور مرهق للعلاقات. لأن الإنسان ليس آلة متصلة بالشبكة طوال الوقت. وإنما كائن له ظروفه. وله إنشغالاته. وله لحظات يريد فيها أن يبتعد عن الجميع دون أن يكون قد كره أحداً.

العلاقة الناضجة لا تخاف من الصمت. لأنها تعرف أن الصمت ليس دائماً فراغاً. أحياناً يكون الصمت إحتراماً. وأحياناً يكون راحة. وأحياناً يكون دليلاً على أن العلاقة وصلت إلى درجة لا تحتاج معها إلى الكلام طوال الوقت. فهناك أشخاص تستطيع أن تجلس معهم دون أن تقول شيئاً. ومع ذلك تشعر أنك قلت الكثير. وهناك أشخاص تتحدث معهم ساعات طويلة. ثم تكتشف أنك لم تقل شيئاً حقيقياً عن نفسك.

وهنا يصبح لقاء الأرواح أعمق من لقاء الأعين. فقد تلتقى العينان ولا يحدث شىء. وقد تتحدث الشفاه كثيراً ولا تصل كلمة واحدة إلى القلب. بينما قد تلتقى روحان فى لحظة صادقة. فيشعر كل منهما أنه يعرف الآخر منذ سنوات. لا يعرف كيف حدث ذلك. ولا يستطيع تفسيره. لكنه يشعر به. بعض الأرواح تتعارف قبل أن تتصافح الأيدى. وتطمئن قبل أن تنطق الشفاه. وتجد فى حضور الآخر شيئاً يشبه العودة إلى مكان مألوف بعد غياب طويل.

ولأن هذه العلاقة قائمة على النور. فإنها لا تحتاج إلى الضجيج. لا تستعرض نفسها أمام الناس. ولا تبحث عن إعتراف الآخرين بها. فالشيء الحقيقى لا يحتاج دائماً إلى جمهور. وربما كانت أجمل العلاقات هى التى لا يعرف الناس عنها شيئاً. لأنها لا تُبنى من أجل الصورة. وإنما من أجل الإنسان نفسه. لا يهم فيها كيف يراها الآخرون. المهم كيف يشعر بها أصحابها عندما يغلق العالم أبوابه ويبقى كل إنسان مع نفسه.

ومع مرور الزمن تتحول هذه العلاقة إلى ذاكرة حية. تشبه كتاباً عتيقاً لا تقل قيمته لأن صفحاته قديمة. بل ربما يصبح أكثر قيمة كلما مر عليه الزمن. كل صفحة فيه تحمل موقفاً. وكل سطر يحمل لحظة. وكل ذكرى تذكّر الإنسان بأن الحياة لم تكن كلها ضجيجاً وخسارات. كان فيها أيضاً أشخاص مروا على الروح وتركوا فيها أثراً جميلاً. لم يكونوا بالضرورة أطول العلاقات عمراً. لكنهم كانوا من أعمقها أثراً.

والعلاقة التى تستحق البقاء ليست التى تمنع الرحيل بالقوة. وإنما التى تجعل العودة ممكنة دائماً. فهناك فرق بين أن تمسك بالإنسان خوفاً من فقده. وأن تمنحه الحرية لأنك تثق أن ما بينكما أكبر من الخوف. الأولى علاقة تقوم على الإمتلاك. والثانية تقوم على الإختيار. وما أجمل أن يختارك إنسان وهو قادر على الرحيل. وأن يبقى قريباً منك لأنه يريد ذلك. لا لأنه يخشى غضبك. ولا لأنه يشعر بالذنب. ولا لأنه محاصر بالواجب.

ليست كل علاقة عظيمة بحاجة إلى إسم. وليس كل قرب حباً. وليس كل إبتعاد جفاء. وليس كل صمت تجاهلاً. هناك علاقات لا تسكن فى الكلمات. وإنما تسكن فى ذلك الشعور الهادئ الذى يخبرك أن هذا الإنسان مهما إبتعد. ومهما تغيرت الظروف. ومهما أخذت الحياة كل واحد منكما إلى طريق. سيظل له فى داخلك مكان لا ينافسه فيه أحد.

تلك هى العلاقة التى تتجاوز الحب والصداقة. علاقة لا تبحث عن إمتلاك القلب. وإنما تحترم وجوده. لا تطارد الإنسان بالعتاب. وإنما تمنحه الأمان. لا تهزمها المسافات. ولا يقتلها الغياب. ولا تحتاج إلى إثبات نفسها كل صباح. لأنها وُلدت من مكان أعمق من الكلام.

إنها ببساطة لقاء أرواح تعارفت قبل أن تلتقى الأعين. وإطمأنت قبل أن تنطق الشفاه. وعرفت أن بعض البشر لا يدخلون حياتنا ليملأوا فراغاً مؤقتاً. وإنما ليتركوا فيها معنى دائماً. وعندما نصل إلى هذا المعنى. ندرك أن أجمل ما يمكن أن يمنحه إنسان لإنسان آخر ليس وعداً بالبقاء إلى الأبد. وإنما أن يكون وجوده فى حياتك مصدراً للسكينة. وأن تظل ذكراه جميلة حتى فى الغياب. وأن يبقى إحترامه محفوظاً حتى بعد المسافة. وأن تعرف فى أعماقك أن بعض الأرواح لا تحتاج إلى القرب المستمر حتى تظل قريبة.
تعليقات