📁 آخر الأخبار

 مظهر الإنسان لا يكشف حقيقته

بقلم: المهندس. يـاسـر أبو الغـيط

من أكثر الأخطاء التى يقع فيها الإنسان أنه يعتقد أنه يستطيع معرفة الآخرين من نظرة واحدة. يراه أنيقاً فيظنه ناجحاً. يراه فقيراً فيظنه عاجزاً. يراه صامتاً فيصفه بالضعف. يراه كثير الكلام فيصفه بالسطحية. يراه غاضباً فيحكم عليه بأنه سيئ الطبع. وقد يراه مبتسماً فيعتقد أن حياته مستقرة ولا ينقصها شيء.

لكن الحقيقة أن الإنسان أكبر بكثير من الصورة التى يتركها فى أعين الآخرين. فالمظهر صفحة واحدة من كتاب طويل. والملابس لا تكشف وحدها عن الأخلاق. وطريقة الكلام لا تكشف وحدها عن النوايا. والهدوء لا يعنى دائماً الحكمة. والقوة الظاهرة لا تعنى غياب الضعف. كما أن الضعف الظاهر لا يعنى إنعدام القدرة.

نحن نعيش فى عالم سريع. ولذلك أصبح الحكم السريع عادة منتشرة. نلتقى بشخص لدقائق قليلة. ثم نضع له وصفاً فى أذهاننا. هذا متكبر. وهذا طيب. وهذا غير جدير بالثقة. وهذا مغرور. وهذا فقير. وهذا ناجح. وهذا لا يفهم. وكأن الإنسان يمكن أن يتحول فى أعيننا إلى جملة قصيرة بمجرد لقاء عابر.

وهذه العادة لا تظلم الآخرين فقط. وإنما تظلمنا نحن أيضاً. لأن الإنسان الذى يحكم على الناس من ظاهرهم يحرم نفسه من معرفة أشخاص ربما كانوا يستحقون مكانة كبيرة فى حياته. وقد يرفض صديقاً صالحاً لأنه لم يعجبه أسلوبه الأول. وقد يستهين بإنسان بسيط لأنه لم ير خلف بساطته سنوات من الخبرة والتعب. وقد يبتعد عن شخص هادئ لأنه ظنه ضعيفاً. ثم يكتشف بعد سنوات أن أكثر الناس ثباتاً كان ذلك الشخص الذى لم يمنحه فرصة.

والأخطر أن الحكم السريع قد يتحول إلى سلوك إجتماعى. عندما يكرر الإنسان حكماً معيناً على شخص أمام الآخرين. يبدأ هذا الحكم فى الإنتقال بينهم. وقد يصبح الإنطباع حقيقة فى أذهان الناس رغم أنه لم يكن قائماً على معرفة حقيقية. وهنا يتحول الظن إلى صورة. والصورة إلى موقف. والموقف إلى معاملة. وقد يجد الإنسان نفسه يعامل شخصاً بطريقة مختلفة فقط لأنه صدق شيئاً لم يتأكد منه.

وليس كل إنطباع أول خاطئاً. فالإنسان يستطيع أن يلاحظ بعض العلامات والسلوكيات. لكن المشكلة تبدأ عندما نحول الإنطباع إلى حكم نهائى. هناك فرق بين أن تقول. لم أشعر بالإرتياح فى التعامل الأول. وبين أن تقول. هذا الإنسان سيئ. الأول شعور قابل للمراجعة. والثانى حكم نهائى يحتاج إلى دليل ومعرفة.

ولذلك فإن النضج الإجتماعى يبدأ من الإعتراف بأننا لا نعرف كل شيء عن الآخرين. الشخص الذى أمامك قد يكون مر بتجارب لا تعرف عنها شيئاً. قد يكون صمته نتيجة سنوات من الحذر. وقد تكون عصبيته نتيجة ضغط طويل. وقد يكون تحفظه نتيجة تجربة جعلته أكثر حذراً فى منح ثقته للآخرين. وهذا لا يعنى أن نبرر كل سلوك خاطئ. لكنه يعنى أن نكون أكثر عدلاً قبل إصدار الأحكام.

هناك أشخاص يتألمون من نظرة الآخرين أكثر مما يتألمون من الكلمات. فقد يدخل الإنسان مكاناً جديداً فيشعر من طريقة إستقبال الموجودين له أنه غير مرغوب فيه. وقد يحاول التحدث فيجد من يقاطعه. وقد يقدم فكرة فيتم التعامل معها بإستخفاف. وقد يكون كل ذلك مبنياً على تصور مسبق عن شخصيته أو مستواه أو شكله.

وهنا تظهر مشكلة خطيرة. الإنسان عندما يشعر بأنه محكوم عليه قبل أن يتحدث. قد يتوقف عن محاولة إثبات نفسه. قد يصمت. وقد ينسحب. وقد يصدق الصورة التى صنعها الآخرون عنه. وهذه واحدة من أقسى نتائج الأحكام السريعة. أن تجعل الإنسان يعيش داخل الصورة التى رسمها الآخرون له بدلاً من أن يعيش وفق حقيقته.

والأطفال من أكثر الفئات تأثراً بهذه المشكلة. الطفل الذى يسمع بإستمرار أنه ضعيف أو فاشل أو قليل الذكاء قد لا ينسى هذه الكلمات بسهولة. ومع تكرارها قد تتحول من كلام يسمعه إلى صورة يصدقها عن نفسه. ولذلك فإن التربية تحتاج إلى أن تفرق بين تصحيح السلوك وبين وصف شخصية الطفل كلها. عندما يخطئ الطفل يمكن أن نقول له. ما فعلته خطأ. لكن من الخطأ أن نقول له. أنت إنسان سيئ.

وهناك فرق عميق بين نقد السلوك والحكم على الإنسان. السلوك يمكن تغييره. أما وصف الإنسان كله بصفة سلبية فيجعله يشعر أن المشكلة جزء ثابت من شخصيته. وإذا أردنا مجتمعاً أكثر نضجاً. فعلينا أن نتعلم هذه القاعدة البسيطة. ناقش الفعل. ولا تختصر الإنسان كله فى فعل واحد.

وفى العلاقات الأسرية. قد تكون الأحكام القديمة سبباً فى إستمرار مشكلات لا تنتهى. الأب يرى إبنه دائماً بإعتباره الطفل الذى كان يرتكب الأخطاء. والأخ يرى أخاه من خلال موقف قديم. والزوج أو الزوجة قد يظلان ينظران إلى بعضهما من خلال خلاف حدث منذ سنوات. وهكذا يصبح الماضى حاضراً فى كل موقف جديد. فلا يُعطى الإنسان فرصة ليكون شخصاً مختلفاً عما كان عليه.

وهذا من أكثر أشكال الظلم شيوعاً فى العلاقات. أن نرفض التغيير لأننا إعتدنا صورة قديمة عن الشخص. الإنسان يتغير. وقد يتعلم. وقد ينضج. وقد يراجع نفسه. وقد تمر به تجارب تجعله أكثر حكمة. ومن العدل أن نعطيه فرصة لأن يثبت ذلك.

لكن هناك جانباً آخر لا بد من الإنتباه إليه. عدم الحكم على الناس من ظاهرهم لا يعنى أن نكون ساذجين. ولا يعنى أن نغلق أعيننا أمام السلوكيات المؤذية. الإنسان يستطيع أن يكون متسامحاً دون أن يكون غافلاً. ويستطيع أن يحسن الظن دون أن يلغى عقله. ويستطيع أن يمنح الآخرين فرصة دون أن يمنحهم ثقة كاملة منذ اللحظة الأولى.

الثقة تبنى مع الوقت. والأخلاق تظهر فى المواقف. والكلمات قد تكون جميلة. لكن السلوك هو الذى يكشف حقيقة الإنسان مع مرور الأيام. ولذلك فإن أفضل طريقة لمعرفة الآخرين ليست السؤال عن مظهرهم. وإنما ملاحظة تعاملهم عندما تختلف المصالح. وملاحظة إحترامهم لمن لا يحتاجون إليه. وملاحظة قدرتهم على الإعتذار عندما يخطئون. وملاحظة طريقة تعاملهم مع الضعيف قبل القوى.

وهناك أيضاً مشكلة المقارنة. فنحن لا نكتفى أحياناً بالحكم على الإنسان. وإنما نقارنه بغيره. هذا أفضل منه. وهذا أنجح. وهذه أجمل. وهذا أكثر إحتراماً. وهذا أكثر قدرة. ثم ننسى أن لكل إنسان ظروفه وطريقه وإمكاناته وتجربته. والمقارنة المستمرة تخلق شعوراً بالنقص لدى البعض. وتخلق غروراً زائفاً لدى البعض الآخر.

والمجتمع الذى يكثر فيه الحكم على الناس من الظاهر يصبح مجتمعاً مرهقاً. لأن كل شخص يبدأ فى التفكير طوال الوقت فى صورته أمام الآخرين. ماذا سيرتدون. ماذا سيقولون. كيف سيحكمون. هل سيعتبروننى ناجحاً. هل سيظنون أننى فاشل. هل سيضحكون على كلامى. وهكذا يتحول الإنسان من الإهتمام بحياته الحقيقية إلى محاولة إدارة الصورة التى يريد الآخرين أن يروه بها.

وقد يكون هذا أحد أسباب إنتشار التصنع. فالإنسان عندما يخاف من أحكام الناس. يبدأ فى صناعة شخصية تناسب توقعاتهم. يضحك عندما لا يريد الضحك. ويتحدث عندما يريد الصمت. ويظهر القوة وهو منهك. ويبالغ فى إظهار النجاح. وربما ينفق ما لا يملك فقط حتى يحافظ على صورة إجتماعية معينة.

وهنا تصبح المشكلة أعمق من مجرد الحكم على الآخرين. نحن نصنع مجتمعاً يضغط على الإنسان ليبدو شيئاً غير حقيقته. ثم نلومه بعد ذلك لأنه أصبح متصنعاً. ولذلك فإن العلاج لا يبدأ فقط من الشخص الذى يحكم. وإنما من الثقافة الإجتماعية التى تجعل المظهر أحياناً أكثر أهمية من الجوهر.

علينا أن نعيد ترتيب أولوياتنا. لا بأس أن نهتم بالمظهر. فالنظافة والأناقة والإهتمام بالشكل أمور طبيعية ومحمودة. لكن المشكلة أن يصبح المظهر معياراً للأخلاق والقيمة والنجاح. الإنسان لا يصبح محترماً لأن ملابسه غالية. ولا يصبح عظيماً لأن مظهره لافت. ولا يصبح فقيراً فى القيمة لأنه بسيط فى ملبسه.

كما أن المال لا يكشف وحده عن قيمة الإنسان. فقد تجد إنساناً يملك الكثير لكنه لا يعرف معنى الرحمة. وقد تجد إنساناً بسيطاً لا يملك إلا القليل لكنه يملك قلباً واسعاً وضميراً حياً. وقد تجد صاحب منصب أو مكانة إجتماعية متواضعاً فى تعامله. وقد تجد شخصاً عادياً فى نظر الناس لكنه صاحب علم وتجربة وحكمة لا تظهر فى أول لقاء.

ولهذا فإن الإنسان العاقل لا يكتفى بما تراه العين. وإنما ينتظر ما تقوله الأيام. فالزمن كفيل بكشف الكثير من الصفات. والمواقف تكشف ما تخفيه الكلمات. والمعاملة تكشف ما لا يستطيع المظهر إخفاءه.

والحل يبدأ من قاعدة واحدة. لا تحكم قبل أن تعرف. وإذا إضطررت إلى تكوين إنطباع أول. فإعتبره إنطباعاً لا حكماً نهائياً. ٱترك مساحة لإحتمال أنك مخطئ. هذه المساحة الصغيرة قد تغير كثيراً من العلاقات.

ثم تعلم أن تسأل قبل أن تفسر. إذا بدا شخص غاضباً. لا تفترض فوراً أنه يكرهك. ربما يمر بيوم صعب. وإذا كان شخص صامتاً. لا تفترض أنه متكبر. ربما لا يشعر بالأمان بعد. وإذا رفض شخص مشاركة أمر ما. لا تفترض أنه يخفى سوءاً. ربما لديه أسباب شخصية لا تعرفها.

كما يجب أن نتوقف عن نقل الأحكام التى لا نعرف صحتها. ليس كل ما نسمعه حقيقة. وليس كل قصة تصلنا كاملة. وليس كل شخص يتحدث عن إنسان آخر يعرف كل تفاصيل حياته. وأحياناً يكون أكثر ما يؤذى الإنسان هو الكلام الذى قيل عنه فى غيابه ثم أصبح حقيقة يتداولها الآخرون دون دليل.

ومن الحلول المهمة أيضاً أن نعلم أبناءنا إحترام الإختلاف. ليس مطلوباً أن يشبهنا الآخرون حتى نحترمهم. ليس مطلوباً أن يرتدوا مثلنا. ولا أن يتحدثوا مثلنا. ولا أن يحبوا ما نحب. الإختلاف فى الطباع والإهتمامات والقدرات أمر طبيعى. والمجتمع الصحى هو الذى يسمح للإنسان بأن يكون مختلفاً دون أن يتحول الإختلاف إلى إهانة.

أما نحن. فعلينا أن نراجع الأحكام التى أصدرناها فى الماضى. ربما يكون هناك شخص ظلمناه فى أذهاننا لأننا لم نفهمه جيداً. وربما يكون هناك إنسان إبتعدنا عنه لأننا صدقنا إنطباعاً أولياً. وربما يكون شخص آخر كنا نراه بطريقة معينة ثم أثبتت الأيام أننا كنا مخطئين.

والإعتراف بهذا الخطأ ليس عيباً. بل هو دليل على النضج. الإنسان الذى يقول. كنت مخطئاً فى حكمى عليك. أكثر إحتراماً من الإنسان الذى يصر على حكم خاطئ فقط لأنه قاله من قبل.

إن الإنسان ليس ثوباً نراه. ولا وجهاً نتأمله. ولا جملة نسمعها. ولا موقفاً واحداً نختزله فيه. الإنسان مجموعة من التجارب. والمواقف. والأفكار. والضعف. والقوة. والأخطاء. والإختيارات. والتغييرات التى تحدث داخله طوال حياته.

وقد يكون الشخص الذى لم نلتفت إليه يوماً هو أكثر من كان يستحق أن نلتفت إليه. وقد يكون الإنسان الذى حكمنا عليه بالفشل فى بداية الطريق هو نفسه الذى ينجح بعد سنوات. وقد يكون الشخص الذى رأيناه ضعيفاً هو الذى يحمل عند الشدائد قوة لا نملكها نحن.

ولا تجعل عينيك تصدران حكماً أسرع من عقلك. ولا تجعل إنطباعاً عابراً يغلق باباً كان يمكن أن تدخل منه علاقة جميلة. ولا تختصر إنساناً فى لحظة. فاللحظة لا تكفى لمعرفة العمر كله.

الحل الحقيقى هو أن نؤجل الحكم حتى تتحدث المواقف. وأن نمنح الآخرين فرصة عادلة ليكشفوا عن حقيقتهم. وأن نفرق بين السلوك الذى يمكن نقده والإنسان الذى يستحق الإحترام. وأن نتعلم أن حسن الظن لا يعنى السذاجة. وأن الحذر لا يعنى القسوة. وأن الإختلاف لا يبرر الإهانة.

فإذا تعلم الإنسان أن يرى ما وراء المظهر. وأن يسمع قبل أن يحكم. وأن يعرف قبل أن يصف. وأن يترك للزمن فرصة كشف الحقيقة. فسوف يصبح أكثر عدلاً مع الآخرين. وأكثر راحة مع نفسه.

لأن أجمل ما يمكن أن يفعله الإنسان تجاه إنسان آخر. أن يمنحه فرصة ليكون أفضل من الصورة التى رسمها الناس عنه.


تعليقات