📁 آخر الأخبار

لغة التعامل تصنع القلوب قبل المصالح

لغة التعامل تصنع القلوب قبل المصالح


بقلم : د . عبدالله حسن الحجازى


قد يبني الإنسان بيتًا بالحجارة، لكنه لا يبني مجتمعًا إلا بالكلمة الطيبة. فالكلمة هي أول جسر يصل بين القلوب، وأول سبب للمحبة أو النفور، ولذلك جعل الإسلام حسن الكلام من أعظم القربات، فقال تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾، وقال سبحانه: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، وقال رسول الله ﷺ: «الكلمة الطيبة صدقة.»
ورغم هذا التوجيه الرباني، تغيرت لغة التعامل في كثير من مجتمعاتنا، فأصبح الناس يبدؤون لقاءاتهم بعبارات مثل: يا باشا، يا حاج، يا عمنا، يا كبير، يا معلم، وهي ألفاظ قد يقصد بها الاحترام، لكنها لا ينبغي أن تحل محل تحية الإسلام العظيمة: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
فالسلام ليس عادة اجتماعية، بل عبادة وشعار للأمة، ودعاء بالأمن والرحمة والبركة. وقد جعل النبي ﷺ إفشاء السلام سببًا لانتشار المحبة، فقال: «أفشوا السلام بينكم.» وما أجمل أن يسمع الإنسان دعاءً بالسلام قبل أي لقب أو مجاملة.
وليس المقصود أن نمنع الألقاب الحسنة، ولكن أن تعود تحية الإسلام إلى مكانتها، وأن تكون أول ما ينطق به اللسان، ثم تأتي بعد ذلك كلمات التقدير والاحترام.
ومن أعظم الميادين التي تظهر فيها أخلاق الإنسان الأسواق والمتاجر. فهناك لا تُباع السلع فقط، بل تُباع الأخلاق أيضًا. وقد يخرج الزبون دون أن يشتري شيئًا، لكنه يعود مرة أخرى لأنه وجد بشاشة وجه، ولطف عبارة، وصدقًا في المعاملة.
وكان رسول الله ﷺ يدعو للتاجر الحسن الخلق بقوله: «رحم الله رجلًا سمحًا إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى.» فالربح الحقيقي ليس في كثرة المال وحدها، وإنما في كسب ثقة الناس ومحبتهم.
ومن أجمل ما يفعله البائع أن يستقبل زبائنه بالسلام والابتسامة، وأن يقول: تفضل، حياك الله، أهلاً وسهلاً، تحت أمرك، بارك الله فيك، جزاك الله خيرًا. فهذه الكلمات لا تكلف شيئًا، لكنها تفتح القلوب قبل أن تفتح المحافظ.
وفي المقابل، على المشتري أن يتحلى بالأدب، فلا يرفع صوته، ولا يستهزئ بالبائع، ولا يجرحه بكلمة، فكما يحب أن يُحترم، يجب أن يحترم غيره.
ولنا في رسول الله ﷺ القدوة الحسنة؛ فما كان فاحشًا ولا متفحشًا، ولا يرد السيئة بمثلها، بل يقابل الإساءة بالحلم، والغلظة بالرفق، ولذلك دخلت القلوب في الإسلام قبل أن تدخل الأجساد فيه.
ويحكي التاريخ أن كثيرًا من الناس دخلوا الإسلام بسبب أخلاق التجار المسلمين، لا بسبب السيوف ولا القوة. فقد رأوا الصدق والأمانة والرحمة، فأدركوا أن هذا الدين يصنع إنسانًا مختلفًا.
إن الكلمة الجارحة قد تهدم علاقة استمرت سنوات، بينما الكلمة الطيبة قد تصلح خصومة في دقائق. والموظف الذي يستقبل الناس بابتسامة يترك أثرًا لا يُنسى، والمعلم الذي يخاطب طلابه باحترام يغرس الثقة في نفوسهم، والأب الذي يلين في كلامه يربي أبناءه على الرحمة، والأم التي تختار كلماتها بحكمة تبني أسرة مستقرة.
لقد أصبح بعض الناس يظن أن الشدة في الكلام دليل قوة، وأن رفع الصوت هيبة، بينما الحقيقة أن أقوى الناس هو من يملك لسانه، ويختار كلماته بعناية، ويعلم أن الكلمة مسؤولية، قال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾.
رسائل إلى المجتمع:
ابدأ كل لقاء بتحية الإسلام قبل أي لقب.
اجعل الابتسامة لغة ثابتة في تعاملك.
خاطب الناس بأحب الأسماء إليهم.
لا تجعل البيع والشراء سببًا لغلظة اللسان.
علّم أبناءك أن الأدب في الكلام عبادة.
تذكر أن الكلمة الطيبة لا تُنقص مالًا، لكنها تزيد محبةً وأجرًا.
الفاظ اندثرت... فلنحيها من جديد
ليست أزمة مجتمعنا في قلة الكلمات، وإنما في قلة الكلمات الطيبة. فقد كانت الألسنة قديمًا عامرة بالدعاء، واليوم أصبحت عامرة بالألقاب والمجاملات.
كان المسلم إذا لقي أخاه قال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فيرد الآخر بأحسن منها، تنفيذًا لقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾.
وكانت العبارات التي تسمعها في البيوت والأسواق والمساجد كلها دعاءً وخيرًا، مثل:
بارك الله فيك.
جزاك الله خيرًا.
أحسن الله إليك.
غفر الله لك.
وفقك الله.
رزقك الله من فضله.
سلمك الله.
حفظك الله.
أسعدك الله.
جعلك الله من أهل الخير.
أما اليوم، فقد طغت عبارات مثل: يا باشا، يا معلم، يا بيه، يا عمنا، يا كبير، يا نجم، حتى كادت تحجب تحية الإسلام، مع أن هذه الألقاب لا تحمل الأجر الذي يحمله السلام والدعاء.
ولا يعني ذلك أن كل لقب ممنوع، فالألقاب الحسنة إذا خلت من الكبر أو السخرية أو المبالغة فهي من باب الاحترام، لكن الخطأ أن تصبح بديلًا عن السلام، أو أن يختفي الدعاء من ألسنتنا.

كلمة إلى التجار وأصحاب المحال
أنتم أكثر الناس احتكاكًا بالناس، وأنتم سفراء للأخلاق قبل أن تكونوا باعةً للسلع.
استقبلوا زبائنكم بقولكم: السلام عليكم، أهلًا وسهلًا، حياكم الله، تفضلوا، بارك الله فيكم.
وإذا اشترى الزبون فادعوا له بالبركة، وإذا لم يشترِ فودعوه بابتسامة وكلمة طيبة، فربما يعود إليكم بسبب حسن خلقكم قبل جودة بضاعتكم.
إن الزبون قد ينسى السعر، لكنه لا ينسى الابتسامة، وقد ينسى نوع السلعة، لكنه لا ينسى احترام البائع.
رسالة أخيرة
إن نهضة المجتمعات تبدأ من اللسان، فالكلمة الطيبة تُصلح النفوس، وتنشر المودة، وتغرس الثقة، وتبني العلاقات. وإذا أردنا أن نربي أبناءنا على الأخلاق، فلنبدأ بأنفسنا، ولنجعل أول كلمة ننطق بها عند لقاء الناس: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
فما أجمل أن نُحيي سنة كادت تغيب، وأن نعيد للكلمة الطيبة مكانتها، حتى تصبح لغتنا اليومية عبادةً، وتعاملاتنا دعوةً إلى الله قبل أن تكون عادةً اجتماعية.
يقول النبي ﷺ:
«تبسُّمك في وجه أخيك لك صدقة، والكلمة الطيبة صدقة.»
فهاتان العبادتان لا تكلفان مالًا ولا جهدًا، لكن أثرهما يبقى في القلوب، وأجرهما يبقى في الميزان.
تعليقات