هل تغيّرت معاييرنا فى تقدير النجاح؟
بقلم: المهندس. يـاسـر أبو الغـيط
هل تغيّرت معاييرنا فى تقدير النجاح؟ وهل أصبح الإنتشار أسرع طريق إلى الشهرة. بينما أصبح التفوق الحقيقى يحتاج إلى سنوات طويلة حتى يراه الناس؟ أم أننا أمام مجتمع تغيّرت بوصلته فى إختيار من يمنحه الضوء والإهتمام؟
فى الماضى. كان التفوق العلمى طريقاً واضحاً إلى الإحترام. وكان الطالب المتفوق يجد فى إجتهاده قيمة حقيقية. وكان الطبيب يُقدَّر بعلمه ومهنته. والمهندس بما ينجزه. والمعلم بما يتركه فى عقول تلاميذه. والباحث بما يضيفه إلى المعرفة. لم تكن الشهرة هى المقياس الوحيد للنجاح. ولم يكن الوصول إلى الشاشات دليلاً كافياً على أن الإنسان أصبح نموذجاً يُحتذى.
أما اليوم. فقد تبدلت أشياء كثيرة فى المشهد الإجتماعى. أصبحت الشهرة أسرع من العلم أحياناً. وأصبح الإنتشار فى وسائل التواصل الإجتماعى قادراً على صناعة نجومية خلال ساعات. بينما يحتاج الإنجاز العلمى والمهنى إلى سنوات من الدراسة والعمل والصبر.
وليس المقصود هنا مهاجمة شخص بعينه. ولا محاسبة إنسان على إختياراته الخاصة. فلكل إنسان حياته وخياراته التى تخصه. ولا يصح أن تتحول هذه الخيارات إلى ذريعة للتشهير أو التنمر أو الإنتقاص من الكرامة الإنسانية.
لكن السؤال الذى يستحق أن نتوقف أمامه هو سؤال المجتمع نفسه. لماذا أصبحنا نمنح مساحة واسعة من إهتمامنا لمن يحقق إنتشاراً لحظياً. بينما قد يمر طبيب أو مهندس أو عالم أو معلم متميز أمامنا دون أن نلتفت إلى ما أنجزه؟
أتذكر هنا واقعة من بدايات تسعينيات القرن الماضى. حين أثارت مشاركة إحدى طالبات كلية الطب فى مسابقة للجمال حالة من الإستغراب والنقاش داخل المجتمع. لم يكن الجدل وقتها منصباً بالضرورة على شخصها. بقدر ما كان يعكس صورة مختلفة لمعايير المجتمع آنذاك. كانت هناك مسافة واضحة فى نظر كثيرين بين التفوق العلمى وبين الظهور الذى يعتمد على الصورة والجمال.
وبعد أكثر من ثلاثة عقود. تبدل المشهد بصورة لافتة. أصبح ظهور الشخص فى مقطع قصير على منصات التواصل قادراً على منحه شهرة لم يكن من السهل تحقيقها فى السابق خلال سنوات طويلة. وقد يتحول موقف عابر إلى حديث الناس والبرامج ووسائل الإعلام. بينما لا يحظى الإنجاز العلمى نفسه بالإهتمام الذى يستحقه.
وهنا يجب أن ننتبه إلى نقطة مهمة. المشكلة ليست فى الفن. ولا فى الرقص. ولا فى الشهرة. ولا فى أن يعيش الإنسان بالطريقة التى يختارها. المشكلة الحقيقية تبدأ عندما تصبح الشهرة وحدها معياراً للقيمة. وعندما يصبح عدد المشاهدات أهم من عدد المرضى الذين تم علاجهم. أو عدد الطلاب الذين تم تعليمهم. أو عدد الأبحاث التى أضافت جديداً إلى المعرفة. أو عدد المشروعات التى أسهمت فى تحسين حياة الناس.
الأخطر من ذلك أن الأجيال الجديدة تتعلم من الصورة التى يقدمها لها المجتمع. فإذا رأى الشاب أن طريق الشهرة أقصر من طريق العلم. وأن الظهور قد يحقق لصاحبه ما لا يحققه الإجتهاد الطويل. فمن الطبيعى أن يعيد حساباته. وإذا أصبح النجاح مرتبطاً بعدد المتابعين أكثر من إرتباطه بحجم الإنجاز. فإننا نكون قد غيّرنا تعريف النجاح دون أن نشعر.
نحن لا نحتاج إلى مجتمع يهاجم المشاهير. ولا إلى مجتمع يحتقر الفن أو الرياضة أو الترفيه. نحن نحتاج إلى مجتمع يعرف كيف يضع كل قيمة فى مكانها الصحيح. فالفنان الموهوب يستحق التقدير لفنه. والرياضى المتميز يستحق الإحتفاء بإنجازه. وصاحب المحتوى الجيد يستحق الإنتشار بما يقدمه من قيمة. والطبيب والعالم والمهندس والمعلم والباحث يستحقون كذلك أن يجدوا مكانهم المستحق فى دائرة الضوء.
المشكلة ليست فى وجود النجوم. المشكلة فى أن يصبح الظهور معياراً أعلى من الإنجاز. وليست المشكلة فى أن يعرف الناس شخصاً بسبب موقف عابر. المشكلة عندما ننسى أصحاب الإنجازات الحقيقية لأنهم لا يجيدون صناعة الضجيج حول أنفسهم.
المجتمع الذى يحترم العلم لا يترك المتفوقين فى الظل. والمجتمع الذى يقدّر العمل لا يجعل الشهرة بديلاً عن الكفاءة. والمجتمع الذى يريد مستقبلاً أفضل لأبنائه يجب أن يقدم لهم نماذج متعددة للنجاح. لا نموذجاً واحداً يقوم على الظهور والإنتشار.
فالوطن لا يحتاج إلى أن يكون الجميع مشهورين. المجتمع يحتاج إلى أن يعرف قيمة كل إنسان فيما يقدمه. وقد يكون الإنسان الذى لا يعرفه أحد هو الأكثر تأثيراً فى حياة الناس. وقد يكون الذى لا يملك ملايين المتابعين هو الذى يملك علماً ينفع الملايين.
لذلك، قبل أن نسأل: من أصبح مشهوراً؟ علينا أن نسأل: لماذا أصبح مشهوراً؟
وقبل أن نسأل: لماذا لم يحصل هذا المتفوق على الإهتمام نفسه؟ علينا أن نسأل أنفسنا: هل أصبحنا نقيس قيمة الإنسان بما يقدمه. أم بعدد من يشاهدونه؟
ربما لم تتغير قيمة العلم. وربما لم يتراجع إحترام العمل. لكن الذى يحتاج إلى المراجعة هو طريقة إختيارنا لمن نمنحه الضوء والإهتمام. فالشهرة قد تصنعها لحظة. أما القيمة الحقيقية فتصنعها سنوات.
وليس كل من ظهر أمام الكاميرا نجماً. وليس كل من غاب عنها أقل قيمة. فهناك أناس يعملون فى صمت. ولا يعرف أسماءهم كثيرون. لكن أثرهم يعيش فى حياة الآخرين سنوات طويلة.
وهؤلاء هم الذين يجب ألا ننسى أن النجاح الحقيقى لا يحتاج دائماً إلى ضجيج. أحياناً يكفى أن يترك الإنسان أثراً جيداً. وأن يعرف أنه أضاف شيئاً نافعاً إلى حياة من حوله.
