📁 آخر الأخبار

كلماتنا تكشف أخلاقنا وقت الإختلاف

 كلماتنا تكشف أخلاقنا وقت الإختلاف


بقلم :د .عبدالله حسن الحجازى
 

ليس أصعب على الإنسان من أن يختلف مع غيره، فاختلاف الرأي أمر طبيعي، لكن الأصعب أن يظل الإنسان مؤدبًا حين يشتد الخلاف. فالحوار الحقيقي لا يُقاس فقط بما نقوله، وإنما بالطريقة التي نقوله بها، وبقدرتنا على أن نحافظ على احترام الآخر حتى عندما نرفض فكرته.

ومن أجمل ما نتعلمه من القرآن الكريم أن أدب الحوار لا يعني الموافقة، وإنما يعني احترام المخالف في أثناء الحوار.

فحتى في قصة إبليس، حين عصى أمر الله واستكبر، جاء في خطابه ما يدل على أدب النداء، فقال: ﴿رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾. ومع أن إبليس عصى ربه، فإن الآية تلفت نظرنا إلى أن أسلوب الخطاب شيء، وموقف الإنسان من الحق شيء آخر. فليس كل من أحسن الكلام يكون على حق، وليس كل من اختلف معنا يجوز أن نسقط عنه الأدب.

وتتجلى روعة أدب الحوار بصورة أوضح في حوار إبراهيم عليه السلام مع أبيه، وهو رجل كان على الكفر ويعبد الأصنام. ومع ذلك لم يبدأ إبراهيم حواره بالسب أو الإهانة، بل قال له مرارًا: ﴿يَا أَبَتِ﴾.

تأمل هذه الكلمة القصيرة: يا أبتِ.

كان إبراهيم يخالف أباه في أعظم قضية، قضية التوحيد والعقيدة، ومع ذلك لم يتحول الاختلاف إلى إساءة، ولم يتحول الحوار إلى معركة كرامة. لقد جمع بين قوة الفكرة ورقة الأسلوب.

وهنا درس نحن في أمسّ الحاجة إليه اليوم.

فكم من حوار بدأ بفكرة وانتهى بخصومة؟ وكم من اختلاف بسيط تحول إلى قطيعة، لأن أحد الطرفين أراد أن ينتصر لنفسه بدل أن ينتصر للحق؟ وكم من شخص يظن أن رفع صوته دليل على قوة حجته، وأن إهانة مخالفه دليل على انتصاره؟

الحقيقة أن ارتفاع الصوت لا يجعل الفكرة أقوى، والسخرية لا تجعل الحجة أكثر إقناعًا، وإهانة المخالف لا تثبت أننا على صواب.

أدب الحوار أن تقول ما تؤمن به، دون أن تهين من لا يؤمن به.

أن تسمع قبل أن تحكم، وأن تفهم قبل أن ترد، وأن تمنح الطرف الآخر فرصة كاملة لشرح وجهة نظره. فالحوار ليس مسابقة في سرعة الرد، ولا ساحة لإثبات من يستطيع أن يجرح الآخر أكثر.

وفي زمن أصبحت فيه مواقع التواصل الاجتماعي مجالًا مفتوحًا للحوار، أصبحنا أكثر احتياجًا إلى هذا الأدب. كلمة واحدة مكتوبة في لحظة غضب قد تترك أثرًا لا يمحى، وتعليق ساخر قد يهدم علاقة استمرت سنوات.

والأخطر أن البعض أصبح يخلط بين حرية التعبير وحرية التجريح.

من حقك أن تختلف، ومن حق غيرك أن يختلف معك، لكن ليس من حق أحد أن يحول الاختلاف إلى إهانة. فالإنسان الراقي يستطيع أن يقول: "أنا لا أتفق معك"، دون أن يقول: "أنت لا تفهم".

والأجمل في الحوار أن نبحث عن الحقيقة لا عن الانتصار. فإذا اكتشف الإنسان أنه أخطأ، فليس عيبًا أن يقول: "كنت مخطئًا". بل إن الاعتراف بالخطأ من علامات القوة والنضج، لأن الإنسان الواثق من نفسه لا يخاف من التراجع عن رأي ثبت له خطؤه.

لقد علمنا القرآن أن الكلمة يمكن أن تكون بابًا للهداية، ويمكن أيضًا أن تكون سببًا في النفور. ولذلك فإن اختيار الكلمات ليس أمرًا هامشيًا، بل جزء من أخلاق الإنسان.

فإذا أردنا أن نعيد للحوار قيمته، فعلينا أن نختلف بأدب، ونناقش بهدوء، ونحترم الإنسان حتى ونحن نرفض فكرته.

فليس الهدف من الحوار أن نكسر الآخر، وإنما أن نصل معًا إلى الحقيقة.

وفي النهاية، قد يختلف الناس في أفكارهم ومواقفهم، لكن الأخلاق ينبغي ألا تكون محل اختلاف.

فالحوار الراقي لا يجعلنا نخسر بعضنا بسبب اختلاف عابر، بل يجعل اختلافنا فرصة لفهم بعضنا بصورة أفضل.

قد لا أقتنع برأيك، وقد لا تقتنع برأيي، لكن يمكننا أن نختلف دون أن نفقد احترامنا لبعضنا.

وهنا يبدأ أدب الحوار.

تعليقات