ما الذى غيّر قلبك نحوى
بقلم: المهندس. يـاسـر أبو الغـيط
لا أريد أن أسألكِ لماذا إبتعدتِ. ولا أريد أن أضعكِ أمام أسئلة كثيرة قد تجعلكِ تبحثين عن إجابات لا تريدين قولها. أريد فقط أن أترك لكِ مساحة هادئة تنظرين فيها إلى ما كان بيننا. بعيداً عن العتاب. وبعيداً عن رغبة كل طرف فى أن يثبت أنه كان على حق.
أنا أعرف أن الإنسان لا يتغير فى يوم واحد. القلب لا يستيقظ فى الصباح ليقرر فجأة أنه لم يعد يحب. هناك أشياء صغيرة تحدث على إمتداد الأيام. كلمة تؤلم. موقف يترك أثراً. تجاهل يتكرر. إحساس بأن ما تقدمه لم يعد يُرى كما كان. ومع الوقت تتراكم هذه الأشياء فى الداخل. حتى يأتى يوم يشعر فيه الإنسان أنه لم يعد الشخص نفسه الذى بدأ الحكاية.
وأنا أشعر أنكِ تغيرتِ.
لكننى لا أريد أن أتهمكِ بالتغير. ربما كان وراء تغيركِ ما لا أعرفه. وربما حملتِ فى داخلكِ أشياء لم تخبرينى بها. وربما كنتِ ترين بعض المواقف من زاوية مختلفة تماماً عن الزاوية التى رأيتها أنا منها. ولذلك لا أريد أن أحاكمكِ بما أعرفه وحده. أريد أن أفهم ما حدث بيننا من الجهة الأخرى أيضاً.
كنتُ أراكِ يوماً مكاناً أعود إليه من ضجيج الحياة. كنت أشعر أن وجودكِ يمنح الأشياء معنى مختلفاً. لم تكن المسألة مجرد حب عابر أو إعجاب ينتهى مع الأيام. كنتُ أضعكِ فى مساحة نادرة داخل قلبى. تلك المساحة التى لا يدخلها كثيرون. ولا يستطيع الإنسان أن يخرج منها أحداً بسهولة.
ولهذا كان التغير مؤلماً.
ليس لأننى أرفض أن تتغير المشاعر. فالقلوب لا تُؤمر. وليس لأننى أريد منكِ أن تحبى بالطريقة التى أحبكِ بها. لكن لأننى كنت أحتاج أن أعرف متى بدأ الطريق بيننا يتغير. ومتى أصبح القرب ثقيلاً بعد أن كان راحة. ومتى أصبحت الأشياء التى كانت تجمعنا تحتاج إلى كل هذا الجهد حتى تبقى.
لقد تحملت كثيراً لأننى كنت أحبكِ.
والحب يجعل الإنسان أكثر صبراً مما يتصور. يجعله يبحث عن الأعذار لمن يحب. يجعله يفسر الصمت على أنه تعب. والبعد على أنه إنشغال. والقسوة على أنها لحظة عابرة. ويظل الإنسان يفعل ذلك لأنه لا يريد أن يصدق أن الشخص الذى يحبه أصبح قادراً على إيذائه.
لكن للصبر أيضاً نهاية.
ليست نهاية الحب بالضرورة. قد ينتهى إحتمال الألم بينما يبقى الحب. وقد يبتعد الإنسان وهو لا يزال يحمل فى قلبه مشاعر صادقة. وهذه هى المفارقة التى لا يفهمها كثيرون. فليس كل من إبتعد كان يكره. وليس كل من صمت فقد إحساسه. أحياناً يكون الصمت هو آخر ما يستطيع الإنسان فعله حتى لا يخسر ما تبقى من كرامته.
أنا لم أكن أريد أن أصل إلى هذه النقطة.
كنت أريد منكِ شيئاً بسيطاً. أن أشعر أننى ما زلت مهماً لديكِ. أن أجد فى عينيكِ ذلك المكان الذى كنت أراه لنفسى. أن أشعر أن ما قدمته لكِ لم يتحول مع الوقت إلى أمر عادى لا يستحق حتى الإلتفات إليه.
فالإنسان لا يحتاج دائماً إلى كلمات كبيرة. أحياناً تكفيه نظرة صادقة. سؤال صغير. إهتمام فى وقته. إحساس بأن هناك من يلاحظ تعبه قبل أن يطلب منه الكلام.
كنت أبحث عن ذلك منكِ.
وعندما لم أجده. بدأت أراجع نفسى.
قلت ربما أخطأت. ربما بالغت فى إنتظاراتى. ربما فهمت بعض الأشياء بطريقة خاطئة. وربما كان يجب أن أصمت فى مواقف. وأن أتكلم فى مواقف أخرى. راجعت نفسى كثيراً. لأننى لم أرد أن أظلمكِ بحكم سريع. كما لم أرد أن أظلم نفسى بتجاهل ما أشعر به.
ثم إكتشفت شيئاً مؤلماً.
أن الإنسان يستطيع أن يعيش فترة طويلة وهو يحاول إصلاح علاقة لم يعد الطرف الآخر يحاول إصلاحها معه.
وهنا يصبح الإستمرار نوعاً من الإنهاك.
لا أقول هذا لأحمّلكِ الذنب. أنا فقط أقول لكِ ما حدث داخلى. لقد تعبت من محاولة فهم المسافة التى كبرت بيننا. تعبت من البحث عن السبب فى كل كلمة. تعبت من التفكير فى المواقف التى تغيرت بعدها الأشياء. وتعبت أكثر من أن أظل أبحث عن نسخة قديمة منكِ لم تعد موجودة.
كنت أحبكِ كما كنتِ.
وربما كنت أحب الصورة التى صنعتها الأيام منكِ فى داخلى. تلك الصورة التى كان فيها قربكِ طمأنينة. وحديثكِ راحة. ووجودكِ شيئاً لا أفكر فى إحتمال فقدانه.
لكن الحياة علمتنى أن الأشياء التى نظنها ثابتة قد تتغير. وأن الإنسان قد يمنح قلبه لشخص. ثم يكتشف أن هذا الشخص أصبح بعيداً رغم أنه ما زال أمامه.
وأصعب ما فى البعد أن تكون المسافة بين قلبين أكبر من المسافة بين جسدين.
لهذا. إذا سألتِ نفسكِ يوماً عن سبب تغيرى. فلا تنظرى فقط إلى اللحظة الأخيرة التى رأيتِ فيها إبتعادى. عودى قليلاً إلى الوراء. تذكّرى الأيام التى كنت أطلب فيها قربكِ ولم تجدى أن الأمر يستحق. تذكّرى المواقف التى كنت أحتاج فيها إلى كلمة منكِ ولم تصل. تذكّرى كم مرة أخفيت حزنى حتى لا أثقل عليكِ. تذكّرى كم مرة إبتلعت عتابى لأننى كنت أخشى أن يتحول العتاب إلى خلاف.
ربما ستجدين هناك الإجابة.
أنا لم أتغير لأننى أردت أن أتغير.
غيرتنى أشياء حدثت بيننا.
غيرتنى مشاعر تراكمت فى صمت. غيرنى شعور بأننى أعطى أكثر مما يصلنى. غيرنى أننى بدأت أشعر بأن وجودى لم يعد يحدث الفرق نفسه فى قلبكِ.
ومع ذلك. لا أريد أن أكرهكِ.
فالحب الذى كان صادقاً لا يتحول بسهولة إلى كراهية. قد يتحول إلى صمت. إلى مسافة. إلى ذكرى نحاول أن نضعها فى مكان آمن داخلنا حتى لا تؤذينا كلما مرت أمام أعيننا.
وأنا لا أريد أن أنتقم منكِ بالرحيل. ولا أريد أن أجعلكِ تشعرين بأننى أعاقبكِ على ما حدث. أنا فقط أريد أن أستعيد نفسى.
أريد أن أعود إلى الرجل الذى كان يعرف قيمة نفسه قبل أن يجعلها مرتبطة برضا شخص آخر عنه.
فالحب جميل. لكنه لا ينبغى أن يجعل الإنسان يفقد نفسه. والعطاء عظيم. لكنه لا ينبغى أن يتحول إلى إستنزاف. والوفاء فضيلة. لكنه لا يعنى أن يظل الإنسان واقفاً أمام باب مغلق إلى الأبد.
وإذا كان فى قلبكِ شيء لم تقوليه. فقوليـه لنفسكِ أولاً.
لا تبحثى عن مبررات أمامى. ولا تخافى من الحقيقة. فالحقيقة. مهما كانت مؤلمة. أرحم من علاقة يعيش فيها إثنان على ذكريات قديمة. بينما الحاضر يخبرهما كل يوم أن شيئاً ما إنتهى.
أما أنا. فسأحتفظ منكِ بكل ما كان جميلاً.
سأحتفظ بالأيام التى جعلتنى أبتسم. بالكلمات التى بقيت فى ذاكرتى. باللحظات التى شعرت فيها أننى محظوظ لأنكِ كنتِ فى حياتى. ولن أسمح للنهاية أن تمحو قيمة البداية.
فليس كل حب ينتهى بالفشل.
بعض أنواع الحب تنتهى لأنها أدت رسالتها. علمتنا أن نعطى. أن نصبر. أن نثق. وأن نعرف أيضاً متى نحافظ على قلوبنا من المزيد من الألم.
وربما لو جلستِ وحدكِ يوماً. بعيداً عن كل الأصوات. ونظرتِ إلى داخلكِ بصدق. ستعرفين أننى لم أبتعد لأن الحب كان قليلاً.
إبتعدت لأن الحب وحده لم يعد قادراً على حمل ما أثقلته الأيام.
وهذه هى الحقيقة التى كنت أتمنى أن تعرفيها دون أن أضطر إلى قولها.
