النرجسية وجُمود العقول فى العمل والحياة
بقلم: المهندس. يـاسـر أبو الغـيط
ليست النرجسية مجرد حبٍّ زائد للنفس. كما قد يظن بعض الناس. وليست الثقة بالنفس عيباً ينبغى للإنسان أن يتخلّى عنه. فالثقة بالنفس تمنح صاحبها القدرة على مواجهة الحياة. بينما النرجسية تدفع الإنسان إلى رؤية نفسه فوق الآخرين. وإلى الإعتقاد بأن رأيه أكثر صواباً من آراء الجميع. وأن نجاح الآخرين لا يكتمل إلا من خلاله. وبين الثقة بالنفس والنرجسية مسافة كبيرة. لا يدركها إلا من إمتلك قدراً من الوعى بالنفس والقدرة على مراجعتها.
وتصبح المشكلة أكثر خطورة عندما تجتمع النرجسية مع جُمود العقل. فالنرجسى قد يختلف معك لأنه يريد أن يثبت ذاته. أما صاحب العقل المتحجر فقد يرفضك لأنه لا يستطيع أصلاً أن يتصور أن هناك رأياً آخر يستحق الإستماع. فإذا إجتمع الإثنان فى شخص واحد. أصبحنا أمام شخصية ترى نفسها دائماً على حق. وترى الآخرين مجرد أدوات للتنفيذ. لا عقولاً لها حق التفكير والمناقشة والإقتراح.
وفى بيئة العمل تظهر هذه الظاهرة بصورة أكثر وضوحاً. فقد تجد مسؤولاً لا يريد من الموظفين أن يفكروا. وإنما يريد منهم أن ينفذوا. لا يبحث عن صاحب الخبرة. وإنما عن الشخص الذى لا يعارض. لا يرحب بالفكرة الجديدة لأنها قد تكشف قصور فكرة قديمة. ولا يستمع إلى صاحب التجربة لأنه يخشى أن يظهر أمام الآخرين أن هناك من يعرف أكثر منه. وهنا لا يعود العمل قائماً على الكفاءة. وإنما يتحول تدريجياً إلى مساحة واسعة لإثبات السلطة.
المشكلة أن بعض المسؤولين يخلطون بين الحزم والتسلط. فالحزم هو أن تعرف متى تتخذ القرار. وكيف تتحمل مسؤوليته. وأن تكون قادراً على الإستماع قبل أن تحكم. أما التسلط فهو أن تتخذ القرار لأنك تريد أن يظل الجميع مقتنعاً بأنك صاحب الكلمة الوحيدة. المدير الحازم يستطيع أن يقول: (أقنعونى إذا كان لديكم ما هو أفضل). أما المدير النرجسى فيقول. بصورة مباشرة أو غير مباشرة: (لا أريد أن أسمع إلا ما يوافق رأيى).
وهنا تبدأ الكفاءة فى الإنسحاب من المشهد.
فالموظف الكفء بطبيعته يحب أن يرى أثر خبرته فى العمل. وعندما يكتشف أن رأيه غير مرغوب فيه. وأن سنوات تجربته لا تعنى شيئاً أمام رغبة المسؤول فى السيطرة. فإنه يبدأ فى الصمت. ثم يتحول الصمت إلى عزلة. وبعد ذلك يتحول العطاء إلى مجرد أداء للحد الأدنى المطلوب. وليس لأن الموظف فقد قدرته. وإنما لأنه أدرك أن المكان لم يعد يريد قدرته.
وهذه واحدة من أخطر خسائر الإدارة. فالمؤسسة لا تخسر موظفاً فقط. وإنما تخسر عقلاً وتجربة وتراكماً معرفياً قد تكون الدولة أو المؤسسة قد أنفقت سنوات طويلة فى بنائه.
والأكثر خطورة أن بعض العقول النرجسية لا تكتفى بإهمال الكفاءات. وإنما قد تشعر بالتهديد منها. فوجود شخص صاحب خبرة واسعة. يمتلك القدرة على التحليل. ويعرف تفاصيل العمل. وقد سبق له أن تعامل مع المشكلات فى الميدان. قد يمثل مصدر قلق لمن يريد أن تكون صورته أكبر من قدرته الحقيقية. ولذلك يبدأ إقصاء الكفاءة أحياناً بطريقة هادئة. لا يُقال للموظف إنه غير مرغوب فيه. وإنما يتم إستبعاده من دوائر القرار. وتُهمل مقترحاته. وتُسند بعض المهام إلى غيره. حتى يفهم الرسالة دون أن يسمعها صراحة.
وهنا تتحول الإدارة من وسيلة لإنجاز العمل إلى وسيلة لإدارة الأشخاص.
والمفارقة أن المسؤول الذى يخشى الكفاءات يظن أنه يحافظ على مكانته. بينما هو فى الحقيقة يضعفها. فالقائد الحقيقى لا يخاف من وجود أشخاص أقوياء حوله. بل يعتبر قوتهم إضافة إلى قوته. والمدير الناجح لا يحتاج إلى أن يكون أكثر الناس معرفة فى كل التفاصيل. وإنما يحتاج إلى أن يعرف كيف يجمع أصحاب الخبرة. وكيف يستفيد من إختلافهم. وكيف يحول خبراتهم المتعددة إلى قرار أفضل.
أما العقل المتحجر. فإنه يرى إختلاف الرأى تهديداً. والنقد إهانة. والمراجعة تشكيكاً. والإقتراح منافسة. ولذلك يظل أسيراً لفكرته حتى لو أثبت الواقع أنها لم تعد مناسبة.
والواقع لا يجامل أحداً.
فالأفكار التى تنجح اليوم قد تفشل غداً. والطرق التى كانت مناسبة فى الماضى قد تصبح عاجزة عن التعامل مع متغيرات الحاضر. والمجتمعات تتغير. والتكنولوجيا تتطور. وإحتياجات الناس تتبدل. وأساليب الإدارة نفسها تحتاج إلى مراجعة مستمرة. ومن يرفض التغيير بحجة أنه فعل الأشياء بالطريقة نفسها طوال سنوات. لا يحافظ على الخبرة. وإنما يحوّل الخبرة إلى قيد.
هناك فرق كبير بين الخبرة والجمود. الخبرة تقول: (لقد جرّبت هذا من قبل. ولذلك أعرف مخاطره). أما الجمود فيقول: (لن أجرب شيئاً جديداً لأننى لم أفعله من قبل). الخبرة تستفيد من الماضى. أما الجمود فيعيش داخله.
وتظهر النرجسية كذلك خارج نطاق العمل. تظهر فى الأسرة، وفى العلاقات الإجتماعية. وفى الصداقات. وفى النقاشات. وحتى فى أبسط المواقف اليومية. قد تجد إنساناً لا يستطيع الإعتذار لأنه يرى الإعتذار إنتقاصاً من قيمته. وقد تجد آخر لا يقبل النصيحة لأنه يعتقد أن النصيحة موجهة إلى من هم أقل منه. وقد تجد شخصاً لا يعترف بخطئه حتى بعد أن تتضح الحقيقة أمامه. فيبحث عن تبرير. أو يحمّل المسؤولية لغيره. أو يحاول تغيير موضوع الحديث.
وهذه ليست قوة.
فالإعتراف بالخطأ يحتاج إلى شجاعة أكبر من إنكاره. والإعتذار لا يصغر الإنسان. وإنما يكشف عن قدرته على مواجهة نفسه. والإنسان الذى يستطيع أن يقول (كنت مخطئًا) أكثر نضجاً من إنسان يقضى عمره كله فى الدفاع عن أخطاء لا يستطيع حتى هو أن يقتنع بها.
أما جُمود العقل فيجعل صاحبه يعيش داخل دائرة مغلقة. يسمع ما يريد أن يسمعه. ويرى ما يريد أن يراه. ويبحث دائماً عن الأشخاص الذين يوافقونه. ومع مرور الوقت يصبح مقتنعاً بأن العالم كله مخطئ، وأنه وحده يملك الحقيقة.
وهنا تبدأ العزلة الفكرية.
فالإنسان الذى لا يقبل الإختلاف يفقد تدريجياً القدرة على الحوار. والذى لا يسمع إلا نفسه يفقد فرصة إكتشاف أخطائه. والذى يرفض كل رأى مخالف قد ينجح فى إسكات الآخرين. لكنه لن ينجح فى إسكات الواقع.
ولعل أخطر ما فى النرجسية أنها قد ترتدى ثياب النجاح. فقد يكون صاحبها ذكياً. أو ناجحاً فى عمله. أو صاحب منصب. أو يمتلك حضوراً قوياً وشخصية مؤثرة. لكن النجاح الخارجى لا يعنى بالضرورة النضج الداخلى. فهناك أشخاص يصعدون فى السلم الوظيفى. لكنهم لا يصعدون فى مستوى الوعى. وهناك من يحصل على السلطة. لكنه لا يتعلم كيف يستخدمها. وهناك من يمتلك منصباً كبيراً. لكنه يظل صغيراً أمام فكرة لا يستطيع قبولها لأنها جاءت من شخص آخر.
ولهذا فإن قيمة الإنسان لا تقاس فقط بالمكان الذى وصل إليه. وإنما بالطريقة التى يتعامل بها مع من حوله بعد أن يصل.
المنصب الحقيقى لا يمنح الإنسان الحق فى إهانة الآخرين. ولا يجعل رأيه مقدساً. ولا يحوّل الموظفين إلى أرقام. والسلطة الإدارية ليست ملكية شخصية. وإنما مسؤولية مؤقتة. هدفها الأساسى تحسين العمل وتحقيق المصلحة العامة.
ومن هنا يجب أن تتعلم المؤسسات أن إحترام الإنسان ليس ترفاً إدارياً. فالموظف الذى يشعر بأن صوته مسموع يكون أكثر إستعداداً للعطاء. والذى يعرف أن خبرته محل تقدير يصبح أكثر إرتباطاً بعمله. أما البيئة التى تسخر من أصحاب الأفكار. وتكافئ الصمت. وتخشى أصحاب الخبرة. فإنها تصنع مع الوقت مؤسسة بلا روح.
وقد يكون أخطر ما تفعله النرجسية الإدارية أنها تصنع حول المسؤول دائرة من الموافقين. وهؤلاء لا يقولون له دائماً ما يحتاج إلى سماعه. وإنما يقولون له ما يحب أن يسمعه. وبمرور الوقت يفقد المسؤول القدرة على معرفة الحقيقة. لأن كل ما يصل إليه يمر عبر مرآة واحدة تعكس صورته فقط.
وهنا يصبح الخطأ أكثر خطورة. لأن القرار لا يعود خاضعاً للنقاش. وإنما يصبح إنعكاساً لرغبة شخص واحد.
أما الإدارة الناضجة فتعرف أن إختلاف الآراء ليس فوضى. وأن النقاش ليس تمرداً. وأن النقد الموضوعى ليس عداءً. وأن وجود شخص يقول (لا أتفق معك) قد يكون أهم أحياناً من وجود عشرة أشخاص يقولون (نعم).
فالمدير الذى لا يسمع إلا المديح قد يكتشف متأخراً أن المديح لم يكن دليل نجاح. وإنما كان ستاراً أخفى عنه الأخطاء.
والأمر نفسه ينطبق على حياتنا الإجتماعية. نحن لا نحتاج إلى أن نتفق مع الجميع. لكننا نحتاج إلى أن نحترم حق الآخرين فى الإختلاف. فالإنسان الناضج لا يرى العالم من نافذة واحدة. يعرف أن الحقيقة قد تكون موزعة بين أكثر من رأى. وأن تجربته مهما إتسعت تظل محدودة أمام إتساع الحياة.
ومن أجمل علامات النضج أن يستطيع الإنسان أن يتعلم من شخص أصغر منه سناً. أو أقل منه منصباً. أو مختلف عنه فى التجربة. فالعلم لا ينزل مع المناصب. والحكمة لا ترتبط بالعمر وحده. والخبرة لا تسكن دائماً فى المكان الذى نتوقعها فيه.
ولذلك فإن مقاومة النرجسية وجمود العقل تبدأ من سؤال بسيط لكنه عميق: هل أستطيع أن أراجع نفسى؟
إذا كانت الإجابة نعم. فهناك مساحة واسعة للنمو. وإذا كانت الإجابة لا. فالمشكلة ليست فى الآخرين. وإنما فى الباب المغلق داخل العقل.
إن الإنسان الذى يراجع أفكاره لا يفقد هيبته. وإنما يطوّرها. والذى يعترف بحدود معرفته لا يصبح أقل قيمة. وإنما يصبح أكثر قابلية للتعلم. والذى يفتح المجال أمام الآخرين لا يفقد سلطته. وإنما يكتسب إحتراماً لا يمكن فرضه بالأوامر.
ليست أخطر العقول تلك التى تجهل. وإنما تلك التى ترفض أن تعرف. وليست أخطر النرجسية أن يحب الإنسان نفسه. وإنما أن يحب صورته إلى درجة تمنعه من رؤية عيوبها. وليست المشكلة فى أن يكون للإنسان رأى. وإنما فى أن يعتقد أن إمتلاكه للرأى يعنى إمتلاكه للحقيقة.
فالعقل الحى يعرف أن الحياة متغيرة. والعمل متغير. والناس متغيرون. والنجاح نفسه يحتاج إلى مراجعة مستمرة. أما العقل المتحجر فيظل واقفاً أمام باب الزمن. يرفض أن يفتحه. ثم يتساءل لماذا تغيّر العالم من حوله.
والإدارة التى تريد أن تنجح لا تحتاج إلى أشخاص يخافون من الخطأ. وإنما إلى أشخاص يتعلمون منه. ولا تحتاج إلى عقول تكرر الأوامر. وإنما إلى عقول تفكر وتقترح وتناقش. ولا تحتاج إلى مسؤول يثبت كل يوم أنه الأقوى. وإنما إلى قائد يجعل من حوله أقوى.
فالقوة الحقيقية ليست أن تجعل الآخرين يصمتون أمامك. القوة أن تجعلهم يتحدثون أمامك بثقة. ثم تستطيع أن تختار من حديثهم ما يرفع مستوى العمل.
وعندما تصبح الكفاءة موضع إحترام. والإختلاف موضع تقدير. والنقد وسيلة للإصلاح. والإعتذار علامة على النضج. والمراجعة جزءاً من الإدارة. يتراجع نفوذ النرجسية. وينفتح العقل على الحياة.
أما إذا أُغلقت الأبواب أمام الكفاءات. وتحولت المناصب إلى ساحات لإثبات الذات. وأصبح الصمت أكثر أماناً من الكلام. فإن المؤسسة قد تستمر فى العمل. لكنها تفقد شيئاً أهم من إستمرارها. تفقد قدرتها على التطور.
وهنا تكون الخسارة الحقيقية.
