حين يصبح الدين خاضعًا لمزاج الناس
بقلم :د. عبدالله حسن الحجازى
أصبحنا نرى أحيانًا ظاهرة تحتاج إلى وقفة صادقة: أن يتعامل بعض الناس مع الدين وكأنه قائمة من الاختيارات، يأخذ منها الإنسان ما يناسبه، ويترك ما لا يتفق مع رغباته.
تقول لأحدهم: هذا الأمر حرام، فيجيبك: «أنا لا أراه حرامًا». وتقول لآخر: هذا حلال، فيرد: «لا، أنا أعتقد أنه حرام». وكأن الحكم الشرعي أصبح خاضعًا للاعتقاد الشخصي والمزاج، وليس لما جاء به الشرع.
والأخطر من ذلك أن البعض لا يكتفي برفض الحكم، بل يبحث عن مبررات وفتاوى توافق ما يريد. فإذا وجد رأيًا يبيح له ما يرغب فيه، تمسك به، حتى لو كان ضعيفًا أو شاذًا، وإذا وجد حكمًا لا يعجبه، بدأ يبحث عن طريقة لتجاوزه.
ومن أمثلة ذلك: شخص يعلم أن الغيبة محرمة، لكنه إذا تحدث عن إنسان يكرهه قال: «أنا لا أغتابه، أنا أقول الحقيقة». وكأن تغيير اسم الفعل يغير حكمه.
وآخر يعلم أن الظلم حرام، لكنه إذا ظلم شخصًا في حقه قال: «هو يستحق». فيجعل مشاعره تجاه الإنسان هي التي تحدد عنده الحلال والحرام.
وقد يحرم الإنسان شيئًا أحله الله لأنه لا يحبه أو لا يقتنع به، وفي المقابل يحلل لنفسه شيئًا حرمه الله لأنه يريده أو اعتاده. وهنا تكمن الخطورة؛ فالإنسان لا يملك أن يجعل هواه مصدرًا للتشريع.
قال تعالى:
﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾.
وهناك فرق كبير بين شخص يقول: «لا أعرف الحكم، سأبحث وأسأل أهل العلم»، وهذا أمر محمود، وبين شخص يعرف الحكم ثم يقول: «أنا لا أقبله لأنه لا يناسبني».
فليس المطلوب أن يتحول كل إنسان إلى عالم يفتي الناس، ولا أن نحكم على الآخرين بسرعة، ولكن المطلوب أن نتواضع أمام شرع الله، وأن نعرف حدودنا.
الدين ليس على مقاس الإنسان، وإنما الإنسان هو الذي يحاول أن يستقيم على مقاس الدين.
ولذلك، عندما نسمع حكمًا شرعيًا لا يعجبنا، لا ينبغي أن يكون السؤال الأول: «من أين نأتي بفتوى تخالفه؟»، وإنما: «هل فهمنا الحكم فهمًا صحيحًا؟ وهل سألنا أهل العلم الموثوقين؟»
أما أن نحلل لأنفسنا ما نحب، ونحرم على غيرنا ما نكره، فهذا ليس تدينًا، وإنما هو اتباع للهوى بثوب الدين. ولنا فى الصحابه مثل وقدوة عظيمة عندما نزل تحريم الخمر .
ثبت في صحيح البخاري أن أنس بن مالك رضي الله عنه كان يسقي القوم في بيت أبي طلحة، فلما جاء الإعلان بأن الخمر قد حُرمت، أمر أبو طلحة أنسًا أن يهريقها، ففعل، حتى جرت في طرق المدينة.
وهنا الفرق الكبير: الصحابي كان يسأل: ماذا أمر الله؟ ثم يمتثل، بينما قد يسأل بعض الناس اليوم: ماذا أريد أنا؟ ثم يبحث عن حكم يوافق رغبته.
وليس معنى ذلك أن كل مسألة دينية لا تحتاج إلى سؤال أو فهم؛ فالرجوع إلى أهل العلم واجب عند الجهل، وقد تختلف مسائل الاجتهاد بين العلماء. لكن المصيبة أن يجعل الإنسان هواه هو الحكم النهائي: إن وافق الحكم رغبته قبله، وإن خالفها رفضه أو بحث عن مخرج.
لقد كان الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين إذا عرفوا أن هذا أمر الله قالوا: سمعنا وأطعنا، أما نحن فعلينا أن نراجع أنفسنا: هل نبحث عن الحق فعلًا، أم نبحث عن فتوى توافق ما نريد؟
والنصيحة الأخيرة: لا تجعل رغبتك هي التي تحدد علاقتك بالله؛ فالدين طاعة، وليس قائمة طعام نختار منها ما نشتهي ونترك ما لا يعجبنا.
