الخوف من نظرة الآخرين يهزمك
بقلم: المهندس. يـاسـر أبو الغـيط
من أكثر أنواع الخوف خفاءً وتأثيراً أن يعيش الإنسان أسيراً لنظرة الآخرين إليه. قد يبدو أمام الناس واثقاً من نفسه. يتحدث بثبات. ويتخذ قراراته بصورة طبيعية. بينما توجد فى داخله مساحة واسعة من التردد. سببها سؤال واحد لا يفارقه: ماذا سيقول الناس عنى؟
هذا السؤال البسيط يستطيع أن يغيّر حياة كاملة. فقد يتراجع الإنسان عن فكرة يؤمن بها. لا لأنها خاطئة. ولكن لأنه يخشى السخرية منها. وقد يرفض فرصة مناسبة. لأنه يتوقع أن يرى الآخرون إختياره أقل من مستواه. وقد يستمر فى طريق لا يريده. فقط حتى لا يسمع من يقول له: لقد أخطأت فى الإختيار.
وهنا يتحول رأى الآخرين من مجرد وجهة نظر إلى سلطة تتحكم فى حياة الإنسان. يبدأ فى إختيار ملابسه. وعمله. وعلاقاته. وقراراته. وحتى أحلامه. وفقاً لما يرضى المحيطين به. ومع مرور الوقت. قد يكتشف أنه عاش سنوات طويلة وفق حياة إختارها الآخرون له. بينما ترك حياته الحقيقية تنتظر خلف الخوف.
المشكلة ليست فى أن نستمع إلى النصيحة. فالإنسان العاقل لا يرفض خبرات الآخرين. ولا يتعامل مع كل رأى مخالف باعتباره عداءً. المشكلة تبدأ عندما يصبح قبول الناس شرطاً لإتخاذ القرار. عندها يفقد الإنسان قدرته على الإختيار. ويصبح رضاه عن نفسه مرتبطاً دائماً برضا الآخرين عنه.
والحقيقة أن الناس يتحدثون كثيراً. ثم ينشغلون بحياتهم وينسون ما قالوه. أما الإنسان الذى تراجع عن حلمه بسبب كلامهم. فهو الذى يحمل نتيجة تراجعه لسنوات. ولهذا فإن الخوف من نظرة الآخرين غالباً ما يجعل الإنسان يدفع ثمن رأى قد لا يتذكره صاحبه أصلاً.
وليس معنى التحرر من هذا الخوف أن يعيش الإنسان بلا حساب. أو أن يتجاهل المجتمع. أو أن يصر على الخطأ لمجرد إثبات إستقلاله. القوة الحقيقية أن يعرف الإنسان متى يستمع. ومتى يناقش. ومتى يرفض. ومتى يمضى فى طريقه دون أن يحتاج إلى تصفيق الآخرين.
قد يخطئ الإنسان فى إختياره. وهذا أمر طبيعى. لكن الخطأ الذى يأتى من قرار إتخذه الإنسان بعد تفكير. أهون كثيراً من حياة كاملة عاشها خوفاً من أن يقال عنه إنه أخطأ.
إن الإنسان لا يستطيع أن يرضى الجميع. مهما حاول. سيجد دائماً من يوافقه ومن يعارضه. من يقدّر إختياراته ومن ينتقدها. ومن يراه ناجحاً ومن يراه مقصراً. ولذلك فإن محاولة الحصول على إعجاب الجميع ليست طريقاً إلى السلام. بل طريق طويل إلى الإرهاق.
حين يتعلم الإنسان أن يفرّق بين النصيحة والضغط. وبين النقد والإهانة. وبين رأى يستحق التفكير ورأى لا يستحق أن يغيّر مساره. يبدأ فى إستعادة نفسه. وعندها لا يعود السؤال: ماذا سيقول الناس؟ بل يصبح السؤال الأهم: هل هذا القرار يتفق مع قناعاتى. وقدراتى. وما أريده لحياتى؟
الخوف من نظرة الآخرين لا يسرق قراراً واحداً فقط. إنه قد يسرق سنوات كاملة. وقد يجعل الإنسان يقف طويلاً أمام أبواب كانت تحتاج منه خطوة واحدة. لكنه لم يخطُها لأنه كان ينتظر موافقة الآخرين.
ولذلك فإن مواجهة هذا الخوف لا تبدأ بالصراخ فى وجه الناس. ولا بمحاولة إثبات الذات لهم. إنها تبدأ من الداخل. عندما يدرك الإنسان أن حياته مسؤوليته. وأن الآخرين قد يقدمون له النصيحة. لكنهم لن يعيشوا نتائج قراراته بدلاً منه.
عندها فقط يستطيع أن يمشى فى طريقه بقدر أكبر من الشجاعة. لا لأنه أصبح غير مبالٍ بكلام الناس. وإنما لأنه لم يعد يسمح لكلامهم بأن يكون أقوى من صوته الداخلى.
