اكتئاب الأطفال حين يخفي الطفل ألمه
بقلم: أنور عطية الديب
قد يعتقد البعض أن الطفل لا يمكن أن يُصاب بالاكتئاب، لأن الطفولة في نظرنا مرتبطة باللعب والضحك والحركة. لكن الحقيقة أن الطفل قد يمر بألم نفسي عميق، وقد لا يمتلك الكلمات الكافية ليشرح ما يشعر به.
والأصعب من ذلك أن اكتئاب الطفل قد لا يظهر دائماً في صورة الحزن الواضح؛ فقد يظهر في صورة عصبية، أو عناد، أو تراجع دراسي، أو عزلة، أو فقدان الاهتمام باللعب والأنشطة التي كان يحبها.
وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن الاكتئاب واضطرابات القلق والسلوك من أبرز أسباب المرض والإعاقة لدى المراهقين، كما أن الصحة النفسية في مرحلة الطفولة والمراهقة لها تأثير ممتد على حياة الإنسان في المستقبل.
متى يكون حزن الطفل أكثر من مجرد حزن؟
ليس كل طفل حزين مصاباً بالاكتئاب.
الحزن الطبيعي قد يكون نتيجة موقف معين؛ خسارة لعبة، مشكلة مع صديق، نتيجة امتحان، أو توبيخ من الوالدين. وغالباً ما يتحسن الطفل مع الوقت والدعم.
لكن الأمر يستحق الانتباه عندما يستمر التغير لفترة طويلة ويبدأ في التأثير على حياة الطفل، وعلاقاته، ودراسته، ونومه، وشهيته، واهتماماته.
ومن العلامات التي يجب ألا نتجاهلها:
- فقدان الاهتمام باللعب والأنشطة المفضلة.
- الحزن أو العصبية المستمرة بصورة غير معتادة.
- الانعزال عن الأسرة والأصدقاء.
- انخفاض التركيز والتحصيل الدراسي.
- اضطرابات النوم أو تغير الشهية.
- التعب المستمر وقلة النشاط.
- الشعور بعدم القيمة أو كثرة لوم النفس.
- الشكوى المتكررة من آلام جسدية دون سبب واضح.
- تغير مفاجئ في السلوك والشخصية.
وتؤكد اليونيسف أن الاكتئاب لدى الأطفال والمراهقين قد يظهر في صورة حزن أو تهيج مستمر، وقد يظل غير ملحوظ لفترة طويلة.
لماذا يُصاب الطفل بالاكتئاب؟
لا يوجد سبب واحد للاكتئاب.
قد يكون نتيجة مجموعة من العوامل النفسية والاجتماعية والبيولوجية. وقد يرتبط بتجارب مؤلمة مثل التنمر، العنف، فقدان شخص قريب، المشكلات الأسرية، الضغط المستمر، أو التعرض لتجارب قاسية.
وأحياناً لا يستطيع الطفل أو الأسرة تحديد سبب واضح لما يحدث.
ولهذا يجب أن نتوقف عن السؤال:
"هو عنده إيه؟"
ونبدأ بالسؤال:
"هو حاسس بإيه؟"
فالطفل لا يحتاج دائماً إلى محاضرة طويلة، بقدر ما يحتاج إلى شخص يشعر به ويستمع إليه دون إصدار أحكام.
أخطر ما نفعله مع الطفل المكتئب
أن نقول له:
"أنت مدلّع."
"إنت لسه صغير على المشاكل."
"إحنا كنا بنعيش أسوأ من كده."
"قوم العب وهتبقى كويس."
قد تبدو هذه الكلمات بسيطة، لكنها تجعل الطفل يشعر أن مشاعره غير مهمة، وأن التعبير عنها ضعف.
كما أن المقارنة المستمرة بين الطفل وإخوته أو زملائه قد تزيد شعوره بالفشل وعدم القيمة.
الطفل لا يحتاج إلى من ينكر مشاعره، بل يحتاج إلى من يساعده على فهمها والتعامل معها.
دور الأسرة يبدأ بالاستماع
أحياناً يكون أفضل تدخل يمكن أن يقدمه الأب أو الأم هو الجلوس بجانب الطفل دون هاتف، ودون تحقيق، ودون لوم.
اسأله بهدوء:
"إيه اللي مضايقك؟"
ثم استمع.
لا تقاطعه.
لا تسخر.
لا تقلل من مشكلته.
ولا تستعجل تقديم الحلول.
قد تكون المشكلة التي يراها الكبار صغيرة جداً، لكنها بالنسبة للطفل قد تكون عالمه كله.
المدرسة والنادي أيضاً جزء من الحل
الطفل لا يعيش داخل المنزل فقط.
هو يعيش بين الأسرة والمدرسة والأصدقاء والنادي والمجتمع.
لذلك فإن المعلم والمدرب وكل شخص يتعامل مع الطفل يمكن أن يكون له دور مهم في اكتشاف التغيرات السلوكية مبكراً.
طفل كان اجتماعياً وأصبح منعزلاً .
طفل كان يحب الرياضة وأصبح يرفض التدريب.
طفل كان متفوقاً وبدأ مستواه في الانخفاض.
طفل أصبح سريع الغضب أو كثير البكاء.
هذه التغيرات لا تعني بالضرورة وجود اكتئاب، لكنها رسالة تستحق الانتباه.
الرياضة ليست علاجاً سحرياً.. لكنها جزء مهم من البيئة الداعمة
النشاط البدني المنتظم، والنوم الجيد، والعلاقات الاجتماعية الصحية، والروتين اليومي، كلها عناصر تساعد في دعم الصحة النفسية.
لكن يجب أن ننتبه إلى نقطة مهمة:
لا ينبغي أن نستخدم الرياضة للهروب من المشكلة النفسية أو باعتبارها بديلاً عن التقييم المتخصص.
فالطفل الذي يعاني من أعراض مستمرة يحتاج إلى فهم السبب وتقديم الدعم المناسب له.
وتؤكد منظمة الصحة العالمية أهمية التدخل المبكر والدعم النفسي والاجتماعي للأطفال والمراهقين الذين تظهر لديهم أعراض عاطفية.
متى نطلب المساعدة المتخصصة؟
إذا استمرت الأعراض أو بدأت تؤثر بوضوح على حياة الطفل، فيجب التحدث مع طبيب أو أخصائي نفسي مؤهل.
والتشخيص ليس مهمة الأسرة أو المعلم أو المدرب؛ بل يجب أن يتم من خلال متخصص.
والأهم من ذلك: إذا تحدث الطفل عن الموت أو إيذاء نفسه، أو ظهرت مؤشرات على احتمال تعرضه للأذى، فلا يجب تجاهل الأمر أو اعتباره مجرد كلام، ويجب طلب المساعدة المهنية العاجلة والتأكد من وجوده في بيئة آمنة.
في النهاية...
أطفالنا لا يحتاجون فقط إلى الطعام والتعليم والملابس والألعاب.
هم يحتاجون أيضاً إلى الأمان النفسي.
يحتاج الطفل أن يعرف أن هناك من يسمعه، ومن يصدقه، ومن يقف بجانبه عندما يشعر بالخوف أو الحزن أو الفشل.
فلنحاول أن نربي أطفالاً يستطيعون أن يقولوا:
"أنا تعبان."
دون أن يخافوا من السخرية.
وأن يقولوا:
"أنا حزين."
دون أن يسمعوا: "إنت طفل.. يعني إيه حزين؟"
وأن يطلبوا المساعدة دون أن يشعروا بالخجل.
فربما تكون كلمة بسيطة من أب، أو حضن من أم، أو اهتمام من معلم، أو موقف إنساني من مدرب، هي البداية التي يحتاجها طفل لكي يشعر أنه ليس وحده.
اهتموا بأطفالكم قبل أن يصبح الصمت لغتهم الوحيدة.
