📁 آخر الأخبار

ليست كل العقول تصلح للإدارة والقيادة

ليست كل العقول تصلح للإدارة والقيادة


بقلم: المهندس. يـاسـر أبو الغـيط


ليست كل العقول تصلح للإدارة والقيادة. فامتلاك المعرفة لا يعنى بالضرورة إمتلاك القدرة على إدارة الآخرين. والحصول على منصب لا يعنى أن صاحبه أصبح قائداً. فهناك فارق كبير بين من يجلس على مقعد المسؤولية. ومن يستطيع أن يحمل مسؤولية هذا المقعد.

الإدارة ليست مجموعة أوامر تصدر من مكتب. وليست مجموعة تعليمات يطلب المسؤول من الآخرين تنفيذها. وليست قدرة على مراقبة الموظفين والبحث عن أخطائهم طوال الوقت. الإدارة الحقيقية هى القدرة على رؤية الصورة كاملة. وفهم التفاصيل. وإكتشاف مواطن القوة والضعف. ثم وضع الإنسان المناسب فى المكان المناسب.

القائد الحقيقى لا يخاف من الموظف الكفء. بل يبحث عنه ويمنحه المساحة التى يستطيع من خلالها أن يقدم أفضل ما لديه.

أما المدير الذى يشعر بالتهديد من كفاءة من يعملون معه. فإنه يبدأ تدريجياً فى صناعة بيئة تخاف من النجاح. يحيط نفسه بمن لا يختلفون معه. ويستبعد أصحاب الرأى. ويضيق بالمبادرات. ويعتبر كل فكرة جديدة تدخلاً فى إختصاصه.

ومع الوقت. يتحول المكان من مؤسسة تعمل بالعقول إلى مجموعة من الموظفين الذين ينتظرون التعليمات.

وهنا تبدأ الكارثة.

لأن المؤسسة التى تخاف من عقولف موظفيها. تدفع ثمن ذلك من قدرتها على التطور.

المشكلة ليست دائماً فى ضعف العاملين. أحياناً تكون المشكلة فى إدارة لا تعرف كيف تستفيد من إمكاناتهم.

قد يكون بين الموظفين شخص يمتلك خبرة طويلة. يعرف تفاصيل العمل من الداخل. ومر بأزمات كثيرة. ويستطيع أن يكتشف المشكلة قبل أن تظهر نتائجها. لكن هذا الشخص قد يصبح عبئاً على الإدارة إذا كانت لا تريد سماع الحقيقة.

وقد يكون هناك موظف آخر أقل خبرة. لكنه يمتلك روح المبادرة. يفكر فى الحلول. ويسأل عن أسباب المشكلة بدلاً من الإكتفاء بالتعامل مع نتائجها.

كلاهما يحتاج إلى إدارة تعرف كيف تستثمر قدراته.

القائد لا يسأل فقط: من أخطأ؟

بل يسأل أيضاً: لماذا حدث الخطأ؟

ولا يبحث فقط عن الشخص الذى يجب أن يتحمل المسؤولية. بل يبحث عن الطريقة التى تمنع تكرار المشكلة.

وهذا هو الفارق بين عقل يعاقب وعقل يدير.

الإدارة الضعيفة ترى الخطأ نهاية للقصة. أما الإدارة الواعية فترى الخطأ بداية لفهم أعمق.

وهناك فرق آخر أكثر خطورة.

بعض المسؤولين يريدون موظفين ينفذون ولا يناقشون. يعتقدون أن كثرة الأسئلة تعنى التمرد. وأن إبداء الرأى يعنى الإعتراض. وأن الشخصية القوية تهدد هيبة المدير.

وهذا فهم خاطئ للإدارة.

الموظف الذى لا يستطيع أن يقول رأيه عندما يرى خطراً. قد يكون أخطر على المؤسسة من الموظف الذى يختلف مع رئيسه.

فالإختلاف المهذب ليس مشكلة. المشكلة الحقيقية أن يصمت الجميع وهم يرون الخطأ. لأنهم يعرفون أن الكلام قد يضعهم فى دائرة الإتهام.

عندها لا يعود الصمت دليلاً على الإنضباط. بل يصبح دليلاً على الخوف.

والبيئة التى يحكمها الخوف لا تنتج أفضل ما لدى الإنسان. لأن الموظف يبدأ فى حماية نفسه بدلاً من حماية العمل. ويصبح هدفه أن يمر يومه دون مشكلة. ثم يتحول النجاح من مشروع جماعى إلى مجرد محاولة لتجنب المساءلة.

وهكذا تخسر المؤسسة شيئاً لا يمكن تعويضه بسهولة.

تخسر روح المبادرة.

والإدارة التى تقتل روح المبادرة. قد تستمر فى العمل فترة طويلة. لكنها تتوقف عن التطور.

ومن أخطر الأخطاء أن يظن المسؤول أن الإعتراف بقدرات الآخرين يقلل من قيمته.

على العكس تماماً.

قوة المدير تظهر فى قدرته على صناعة فريق أقوى منه فى بعض المجالات. لأن المدير ليس مطلوباً منه أن يعرف كل شيء. وإنما المطلوب منه أن يعرف من يستطيع أن يعرف.

القائد الذكى لا يخجل من أن يقول: لا أعرف.

ولا يعتبر طلب المشورة ضعفاً.

ولا يرى الإعتراف بخبرة موظف آخر إنتقاصاً من سلطته.

فهو يدرك أن المنصب مؤقت. أما أثر الإدارة الجيدة فقد يبقى سنوات.

ومن هنا تظهر قيمة إختيار الأشخاص.

ليس كل موظف يصلح لكل مهمة. وليس كل شخص ناجح فى مجال معين يصلح لإدارة الآخرين. فقد يكون الإنسان ممتازاً فى عمله الفردى. لكنه لا يستطيع بناء فريق. وقد يكون شديد الذكاء. لكنه ضعيف فى التواصل. وقد يكون سريع القرار. لكنه لا يعرف كيف يستمع.

والقيادة تحتاج إلى أكثر من الذكاء.

تحتاج إلى الإتزان. والعدل. والقدرة على الإستماع. وفهم البشر. وإتخاذ القرار فى الوقت المناسب. وتحمل نتائجه.

كما تحتاج إلى شجاعة من نوع خاص.

شجاعة الإعتراف بالخطأ.

وشجاعة حماية الموظف الذى أدى عمله بإخلاص. رغم أن النتيجة لم تكن كما توقع الجميع.

وشجاعة مواجهة المقصر دون ظلم.

وشجاعة إعطاء الفرصة لمن يستحقها. حتى لو لم يكن من أصحاب العلاقات أو المجاملات.

فالقيادة الحقيقية لا تبنى حول الأشخاص الذين يجيدون التقرب من المسؤول. وإنما حول الأشخاص الذين يجيدون العمل.

وعندما تصبح العلاقات أهم من الكفاءة. تبدأ المؤسسة فى فقدان بوصلتها.

الشخص المناسب يتراجع. والشخص الذى يجيد صناعة الصورة يتقدم. وبعد فترة. يصبح أصحاب الخبرة أكثر صمتاً. ويصبح أصحاب المجاملة أكثر حضوراً.

ثم تتساءل الإدارة بعد ذلك: لماذا تراجع الأداء؟

الإجابة تكون أمامها.

لأنها لم تعد تكافئ العمل كما يجب.

ومن أخطر صور الإدارة أن يتعامل المسؤول مع جميع الموظفين بالطريقة نفسها. فالعدل لا يعنى أن تعطي الجميع الشيء نفسه. العدل أن تعطي كل إنسان ما يستحقه وفقاً لعمله وقدرته ومسؤوليته.

هناك موظف يحتاج إلى فرصة.

وهناك موظف يحتاج إلى تدريب.

وهناك موظف يحتاج إلى رقابة.

وهناك موظف يحتاج إلى صلاحيات أكبر.

وهناك موظف لا يحتاج إلا إلى أن تتركه يعمل.

أما وضع الجميع فى قالب واحد. فهو أسهل طرق الإدارة وأضعفها.

القائد الحقيقى يعرف الفروق بين البشر.

يعرف من يمكن الإعتماد عليه فى المواقف الصعبة. ومن يحتاج إلى التوجيه. ومن يحتاج إلى المتابعة. ومن يمتلك قدرة يمكن أن تصبح إضافة حقيقية للمكان.

ولهذا فإن الإدارة ليست فقط إصدار القرارات.

الإدارة قراءة البشر.

والقيادة ليست فقط الوصول إلى القمة.
القيادة أن تجعل من يعملون معك قادرين على الصعود معك.

قد يصل شخص إلى منصب كبير بسبب ظروف كثيرة. وقد يحصل على سلطة واسعة. وقد يصبح صاحب القرار الأول فى مكانه.

لكن الإختبار الحقيقى يبدأ بعد حصوله على السلطة.

ماذا سيفعل بها؟

هل سيستخدمها لحماية العمل؟

أم لحماية صورته؟

هل سيبحث عن أصحاب الكفاءة؟

أم عن أصحاب الولاء الشخصى؟

هل سيسمح بالنقد؟

أم سيعتبر كل نقد إهانة؟

هل سيصنع فريقاً قادراً على العمل فى غيابه؟

أم سيجعل الجميع يعتمدون عليه فى كل صغيرة وكبيرة؟

الإجابة عن هذه الأسئلة تكشف شخصية المسؤول أكثر من أى لقب وظيفى.

فالمنصب قد يمنح الإنسان سلطة. لكنه لا يمنحه إحتراماً تلقائياً.

الإحترام يُبنى بالعدل.

والثقة تُبنى بالمواقف.

والقيادة تُثبتها النتائج.

وقد ينسى الناس كثيراً من القرارات التى إتخذها المدير. لكنهم لا ينسون كيف عاملهم عندما أخطأوا. ولا ينسون كيف وقف بجانبهم عندما إحتاجوا إليه. ولا ينسون كيف منح الفرصة لمن يستحقها.

لهذا فإن أعظم ما يمكن أن يتركه المسؤول بعد رحيله ليس مكتبه. ولا إسمه على باب الإدارة.

إنما مجموعة من الأشخاص الذين أصبحوا أفضل لأنهم عملوا معه.

وهنا فقط يمكن أن نقول إن الإنسان لم يشغل منصباً فحسب.

لقد مارس القيادة.
تعليقات