📁 آخر الأخبار

ليست كل الفرص تأتى فى موعدها

ليست كل الفرص تأتى فى موعدها


بقلم: المهندس. يـاسـر أبو الغـيط


نحن لا نخاف دائماً من ضياع الفرصة. بقدر ما نخاف من أن تأتى بعد فوات الأوان. نخاف أن تطرق أبوابنا فى وقت نظن فيه أن العمر لم يعد يسمح بالبداية. وأن ما كان ممكناً بالأمس أصبح مستحيلاً اليوم. ولهذا. قد يعيش الإنسان سنوات طويلة وهو ينتظر فرصة يتمناها. فإذا جاءت أخيراً. وجد نفسه يتراجع عنها. لا لأن الفرصة سيئة. ولا لأنه لم يعد يريدها. وإنما لأنه أقنع نفسه بأن الوقت تأخر.

وهنا يقع الإنسان فى مفارقة غريبة. ينتظر الفرصة. ثم يخاف منها حين تأتى. كم من إنسان رأى الآخرين يحققون أحلامهم. فبدأ يقارن بدايته بنهاياتهم. نظر إلى عمره. وحسب السنوات التى مضت. ثم قال لنفسه: لقد فات الأوان. لكن من قال إن للحياة ساعة واحدة يجب أن يصل الجميع إليها فى الوقت نفسه؟ لكل إنسان طريقه. وظروفه. وتجربته. وما يبدو تأخراً فى حياة شخص. قد يكون توقيتاً مناسباً تماماً فى حياة شخص آخر.

فالإنسان لا يصل دائماً إلى الأشياء التى يريدها فى الوقت الذى يتخيله. لكنه قد يصل إليها فى الوقت الذى يصبح فيه أكثر قدرة على تقديرها والمحافظة عليها. ربما لو جاءت بعض الفرص مبكراً. لأضعناها بسبب قلة الخبرة. وربما لو وصلنا إلى بعض الأحلام فى بدايات العمر. لما عرفنا قيمتها الحقيقية. فالسنوات التى تمر بنا لا تأخذ منا العمر فقط. وإنما تمنحنا شيئاً آخر لا يقل قيمة. وهو الخبرة.

ولهذا. لا تنظر إلى عمرك بإعتباره باباً مغلقاً. أُنظر إليه بإعتباره رصيداً من التجارب. قد تكون خسرت سنوات فى طريق لم يكن مناسباً لك. لكنك خرجت منه وأنت تعرف الطريق الذى لا تريد أن تسلكه مرة أخرى. وقد تكون أخطأت فى قرارات كثيرة. لكن أخطاءك علمتك كيف تفكر قبل أن تختار. وقد تكون تأخرت فى تحقيق حلم. لكنك أصبحت أكثر قدرة على فهم ما تريده فعلاً. وهذا كله ليس قليلاً.

المشكلة الحقيقية ليست أن تأتى الفرصة متأخرة. وإنما أن نسمح لفكرة التأخر بأن تقتل رغبتنا فى البداية. فالخوف بارع فى صناعة الأعذار. يقول لنا إن الظروف لم تعد مناسبة. وإن العمر تقدم. وإن الآخرين سبقونا. وإن البداية أصبحت صعبة. ثم يقنعنا بأن البقاء فى المكان نفسه أكثر أماناً. لكن الأمان ليس دائماً فى البقاء. أحياناً يكون الخطر الحقيقى أن تظل فى المكان نفسه. بينما تعرف فى داخلك أن لديك قدرة على التغيير.

إذا جاءت الفرصة متأخرة. فلا تحاول أن تعيد الماضى. الماضى إنتهى. ولن يعود. المطلوب ليس أن تبدأ من النقطة التى كنت تقف عندها قبل سنوات. وإنما أن تبدأ من النقطة التى وصلت إليها الآن. إبدأ بخبرتك الحالية. بعقلك الحالى. بقدرتك الحالية. بما تعلمته من خساراتك. وما إكتسبته من تجاربك. أنت لا تبدأ من الصفر. أنت تبدأ من مكان صنعته كل السنوات التى عشتها.

وقد تكون هذه هى المفارقة الجميلة فى الفرص المتأخرة. أنها لا تأتى إلينا كما كنا. وإنما تأتى إلينا ونحن أكثر نضجاً. فالذى إنتظر طويلاً يعرف قيمة الوصول. والذى خسر يعرف قيمة ما بقى. والذى أخطأ كثيراً يصبح أكثر قدرة على إختيار الطريق. والذى مر بتجارب قاسية يعرف أن الخوف لا ينبغى أن يكون صاحب القرار.

ومع ذلك. قد يقف الإنسان أمام الفرصة الجديدة متردداً. ويسأل نفسه: ماذا لو فشلت؟ والسؤال مشروع. لكن هناك سؤالاً آخر يستحق أن نسأله لأنفسنا: ماذا لو لم أحاول؟ الفشل فى المحاولة قد يكون درساً. أما عدم المحاولة فقد يتحول إلى ندم طويل. لا أحد يستطيع أن يضمن لك نجاح البداية. ولا أحد يستطيع أن يخبرك بأن الطريق سيكون سهلاً. لكنك تستطيع أن تمنح نفسك فرصة حقيقية بدل أن تحكم على نفسك بالفشل قبل أن تبدأ.

ولا تجعل كلام الناس يحدد موعد أحلامك. قد يقول لك أحدهم إن الوقت تأخر. وقد يرى آخر أنك كان يجب أن تبدأ منذ سنوات. لكن هؤلاء لن يعيشوا حياتك. ولن يحملوا نتائج قراراتك. ولن يشعروا بالندم الذى قد يأتى بعد سنوات إذا إكتشفت أنك تركت فرصة حقيقية خوفاً من رأى الآخرين. الناس يتحدثون قليلاً ثم ينشغلون بحياتهم. أما أنت. فستبقى مع قرارك.

لذلك. إذا كانت الفرصة مشروعة وممكنة. وإذا كنت قادراً على تحمل مسؤوليتها. فلا ترفضها لمجرد أنها جاءت متأخرة. إدرسها جيداً. إحسب خطواتك. إعرف إمكاناتك. ثم قرر. فالشجاعة ليست أن تدخل كل طريق دون حساب. وإنما أن تعرف الطريق وتدرك صعوبته. ثم تملك القدرة على السير فيه.

وليس المطلوب أن تغيّر حياتك كلها فى يوم واحد. ربما تحتاج فقط إلى خطوة أولى. قرار صغير. محاولة جديدة. إتصال. مشروع. تعلم مهارة. عودة إلى حلم قديم. أو حتى التخلى عن طريق أدركت أخيراً أنه لم يكن طريقك. المهم ألا تظل واقفاً. فالحياة لا تسألنا دائماً متى بدأنا. وإنما ماذا فعلنا بعد أن بدأنا.

وقد لا تكون الفرصة التى جاءت متأخرة هى الفرصة التى تمنيتها فى الماضى لكنها قد تكون الفرصة التى تحتاج إليها اليوم. لهذا. إذا طرقت فرصة بابك بعد سنوات من الإنتظار. لا تقل فوراً: لقد تأخرت. توقف لحظة. أُنظر إلى ما تملكه الآن. لا إلى ما فقدته بالأمس. أُنظر إلى خبرتك. لا إلى عمرك فقط. وأُنظر إلى الطريق أمامك. لا إلى المسافة التى قطعتها.

فربما لم تتأخر الفرصة. ربما أنت الذى إحتجت إلى كل هذه السنوات حتى تصبح مستعداً لها. ليست المشكلة فى أن نبدأ متأخرين. وإنما فى أن نسمح للخوف بأن يمنعنا من البداية. فما دام فى العمر بقية. ففى الطريق متسع لخطوة جديدة. وما دام فى الإنسان قدرة على المحاولة. فالأبواب التى لم تُفتح بعد ليست بالضرورة أبواباً مغلقة.
تعليقات