عنوان المقال: الفقر عيبًا
الكاتب : محمد التومي المحامي
من أخبروك أن الفقر ليس بعيبٍ، فقد كذبوك القول، وكان أئمتنا وشيوخنا، يقولون: الأصل في أمر المؤمن الغنىٰ، وليس الفقر، وقد سمعتهم يستعيذون بالله من الفضيحتين، وهما الفقر والدين، وكان أبي رحمه الله، يقول: الدين همٌّ بالليل، ومذلَّةٌ بالنهار، والفقر يُقِلْ الدين.
ومن فضائل الغنىٰ أن المؤمن الغني إذا سخر غناه في طاعة الله، فهو أحب إلىٰ الله من المؤمن الفقير الذي عجز عن كفاية نفسه، فالمؤمن الغني ربما يطعم الطعام، ويعود المريض، ويحج البيت أو يعتمر أو يجهز ناكحًا أو غازيًا، ويخرج زكاة ماله المفروضة أو الصدقة إذا استدعي ذلك أو أراد أن يزيد، وهكذا، وكما قال صلى الله عليه وآله: اليد العليا خير وأحب إلى الله من اليد السفلى.
ومن مساويء الفقر أن المؤمن الفقير في احتياجٍ وعوزٍ وفاقةٍ لا يستطيع أن يقضي الفرائض والنوافل أو يقدم النفع الإقتصادي لنفسه، ولمن يشملهم بالإعالة والنفقة أو غيرهم من جماعة المسلمين الذين يعانون الفاقة والعيلة أو يقدم ما ينفع نظرًا أن غالب احتياجات النفس قائمةً علىٰ الاحتياجات الاقتصادية.
بالإضافة أن الواقع العملي أثبت أن الشخص الفقير أكثر وقوعًا في المحرمات سعيًا لكسب رزقه لعله كذب أو سرق أو خادع أو أكل بالباطل أو عمل في عملٍ غير مشروعٍ أو تعاطىٰ في تجارةٍ محرمةٍ أو تعامل بالربا بينما الذي في يسارٍ من أمره في غنىٰ عن كل ذلك، ولا يفعل مضطرًا كآكل الميتة خشية الموت جوعًا أو كشارب الخمر خشية الموت عطشًا، وغيرها من الأخذ بالرخص.
وبعيدًا عن الحلال والحرام، فالفقر يترتب عليه الذلة والمسكنة، وانكسار النفس، واستشعار الحرج ناهيك عن الجوع والشقاء والحرمان، والرضىٰ بالدون من الأشياء كالذي يقبل أن يعمل في عملٍ مهينٍ لا يحترم كرامته، وعزة نفسه وكبرياءه بغرض أن يجد ما يسد به الرمق أو يغطي شيئًا من احتياجات النفس أو من يستوجب عليه نفقتهم
فعلىٰ الإنسان ألا يسلك مسالك الزهد إلا بعد توافر القدرة علىٰ الترك، فلا يسمىٰ الفقير زاهدًا كما لا يسمىٰ الذي لا يقدر عافيًا، فتحقيق الأمان الإقتصادي الذي قصدته مقاصد الشريعة في الضروريات والحاجيات والتحسينات فرضًا علىٰ المؤمن لنفسه أو لمن يلزمه أمرهم من أسرته، لقوله صلىٰ الله عليه وآله في وصية سعدٍ: إنك إن تذر ورثتك أغنياءً خيرًا من أن تذرهم عالةً يتكففون الناس.
ويذكرني هذا الكلام بمقولةٍ لأديب الدعوة الإمام محمد الغزالي رحمه الله، يقول: كل دعوةٍ تحبب الفقر إلىٰ الناس أو ترضيهم بالدون من المعيشة أو تقنعهم بالهون في الحياة أو تصبرهم علىٰ قبول البخس من الأشياء، والرضا بالدنية منها، فهي دعوةٌ فاجرةٌ يُراد بها التمكين للظلم الإجتماعي، وإرهاق الجماهير الكادحة في خدمة فردٍ أو منظومةٍ، وهي قبل ذلك كله كذبٌ علىٰ الإسلام، وافتراءٌ علىٰ الله عز وجل. انتهىٰ
