الصمت الاختياري لدى الأطفال ليس عنادًا
بقلم: ماريان عماد
ماجستير مهني في الصحة النفسية وتعديل السلوك
دكتوراه مهنية في الصحة النفسية والعلاج بالفن
---
طفل يتحدث في المنزل بحرية، لكنه يفقد صوته أمام الآخرين.. كيف نفهم ما وراء هذا الصمت؟
في عالم الطفولة، لا تكون الكلمات هي الوسيلة الوحيدة للتعبير. أحيانًا يتحدث الطفل بعينيه، بتوتر يديه، بنظراته المترددة، أو حتى بصمته.
قد تجلس أم أمام طفلها فتراه يتحدث ويضحك ويحكي تفاصيل يومه دون تردد، ثم تكتشف أنه عندما يدخل المدرسة أو يلتقي بأشخاص خارج دائرة الأمان الخاصة به، يتحول إلى طفل مختلف تمامًا؛ لا يجيب عن الأسئلة، ولا يشارك في الحديث، وربما يكتفي بالنظر أو الإشارة.
هنا يبدأ السؤال الذي كثيرًا ما يطرحه المحيطون بالطفل:
«هو بيتكلم في البيت.. ليه مش بيتكلم هنا؟»
والإجابة ليست دائمًا «خجل» أو «دلع» أو «عناد».
قد يكون الطفل يعاني من الصمت الاختياري (Selective Mutism)، وهو اضطراب يرتبط غالبًا بالقلق، يظهر في مواقف اجتماعية محددة، فيمتنع الطفل عن الكلام رغم امتلاكه القدرة على التحدث في مواقف أخرى.
الصمت ليس قرارًا يتخذه الطفل
من أكثر الأخطاء شيوعًا التعامل مع الطفل الصامت باعتباره يتعمد عدم الكلام.
قد يسمع الطفل عبارات مثل:
«اتكلم!»
«إنت بتتكلم في البيت أهو.»
«لو ما اتكلمتش مش هتخرج.»
«ما تبقاش مكسوف.»
ورغم أن هذه العبارات قد تبدو بسيطة بالنسبة للكبار، فإنها قد تزيد الضغط النفسي على الطفل، لأن المشكلة في كثير من الحالات ليست في عدم الرغبة في الكلام، وإنما في ارتفاع مستوى القلق الذي يجعل الكلام في ذلك الموقف شديد الصعوبة.
ولهذا فإن إجبار الطفل على الحديث أمام الآخرين قد لا يحل المشكلة، بل قد يجعل الموقف الاجتماعي مرتبطًا لديه بمزيد من الخوف والتوتر.
لماذا يحدث الصمت الاختياري؟
لا يوجد سبب واحد يمكن تعميمه على جميع الحالات.
فقد يرتبط الصمت الاختياري بعوامل نفسية وبيئية واجتماعية متعددة، من بينها القلق الاجتماعي، والخوف من تقييم الآخرين، وبعض التجارب الاجتماعية السلبية، أو الانتقال إلى بيئة جديدة كالمدرسة.
وفي بعض الحالات قد تتزامن المشكلة مع صعوبات أخرى تتعلق بالقلق أو التواصل، ولذلك فإن التعامل معها يحتاج إلى فهم شامل للطفل بدلًا من وضعه تحت تصنيف سريع.
كما أن وجود الطفل في بيئة متعددة اللغات قد يتطلب تقييمًا دقيقًا للتمييز بين الصمت الاختياري وبين الصعوبات الطبيعية المرتبطة بتعلم لغة جديدة.
المدرسة.. المكان الذي تظهر فيه المشكلة بوضوح
قد تكون المدرسة أول مكان يلاحظ فيه المحيطون المشكلة.
فالطفل قد لا يطلب المساعدة عندما يحتاج إليها، ولا يشارك في الإجابة، ولا يتحدث مع المعلم، وقد يجد صعوبة في تكوين صداقات أو المشاركة في الأنشطة الجماعية.
وهنا يأتي دور المعلم والأخصائي النفسي والاجتماعي في المدرسة في الملاحظة دون وصم.
فالطفل ليس «غير متعاون»، وليس بالضرورة «متعمدًا تجاهل المعلم».
قد يكون ببساطة غير قادر على تجاوز مستوى القلق الذي يواجهه في تلك اللحظة.
كيف نتعامل معه؟
القاعدة الأولى هي:
لا تجعلوا الكلام معركة.
يحتاج الطفل إلى بيئة يشعر فيها بالأمان، وليس إلى سلسلة من الاختبارات لإثبات قدرته على الكلام.
ومن الأساليب المفيدة:
- عدم إجبار الطفل على التحدث أمام الآخرين.
- عدم السخرية من صمته أو مقارنته بزملائه.
- عدم استخدام العقاب أو التهديد لإجباره على الكلام.
- تقبل وسائل التواصل البديلة مؤقتًا عند الحاجة، مثل الإشارة أو الكتابة.
- تعزيز المحاولات التدريجية للتواصل.
- العمل على زيادة المواقف الاجتماعية بصورة تدريجية ومدروسة.
- التنسيق بين الأسرة والمدرسة والمتخصصين.
ويختلف التدخل المناسب من طفل إلى آخر، لذلك لا توجد طريقة واحدة تصلح للجميع.
التشخيص المبكر يصنع فارقًا
كلما استمر الصمت دون فهم أو تدخل مناسب، قد تتسع دائرة المواقف التي يشعر فيها الطفل بالقلق، وقد يؤثر ذلك في حياته الدراسية والاجتماعية وثقته بنفسه.
لذلك، عندما يكون الصمت مستمرًا، واضحًا، ويظهر في مواقف اجتماعية محددة رغم قدرة الطفل على الكلام في بيئات أخرى، فمن الأفضل طلب تقييم متخصص.
كما ينبغي تقييم السمع واللغة والنطق والجوانب النفسية والسلوكية عند الحاجة، للوصول إلى صورة متكاملة عن حالة الطفل.
رسالة إلى الأسرة
قبل أن نسأل:
«لماذا لا يتكلم؟»
ربما علينا أن نسأل:
«ما الذي يجعله يشعر بأنه غير قادر على الكلام هنا؟»
فالطفل الذي يصمت أمام الآخرين قد لا يحتاج إلى صوت أعلى من حوله، وإنما إلى مساحة أكثر أمانًا.
وقد لا يكون الحل في أن نقول له:
«تكلم.»
بل في أن نساعده تدريجيًا حتى يشعر أنه يستطيع أن يتكلم دون خوف.
الصمت أحيانًا ليس فراغًا..
إنه رسالة تحتاج إلى من يفهمها.
Marian’s Corner
