📁 آخر الأخبار

عندما لا تكفى الكلمات للتعبير

 عندما لا تكفى الكلمات للتعبير


بقلم: المهندس. يـاسـر أبو الغـيط


هناك مشاعر أكبر من أن تحملها الكلمات. وأحاسيس عميقة تقف اللغة أمامها عاجزة. مهما إتسعت مفرداتها وتعددت أساليب التعبير فيها. قد يعرف الإنسان تماماً ما يريد أن يقوله. لكنه يعجز عن العثور على العبارة التى تمنح إحساسه صورته الحقيقية. فيتوقف الكلام. لا لأن المشاعر غابت. وإنما لأنها أصبحت أكبر من أن تختصرها جملة.

نحن لا نعبر دائماً بالكلمات. أحياناً تكفى نظرة صادقة لتقول ما تعجز عنه صفحات طويلة. وقد تختصر إبتسامة هادئة مشاعر لا تستطيع الخطب أن تشرحها. وربما كان الصمت فى بعض المواقف أبلغ من الكلام. لأنه لا يضيف شيئاً إلى الشعور. بل يتركه كما هو. صافياً من الزخرفة والتكلف.

هناك لحظات يحتاج فيها الإنسان إلى أن يشعر بأنه مفهوم. لا إلى أن يسمع الكثير من الكلمات. يحتاج إلى شخص يقرأ ما وراء صمته. ويفهم إرتباكه. ويدرك أن بعض الصمت ليس فراغاً. وإنما إمتلاء بما لا يستطيع صاحبه قوله. لذلك تكون بعض العلاقات الإنسانية عميقة بقدر قدرتها على فهم ما لم يُقل.

وقد تكون أصعب المشاعر تلك التى نحاول التعبير عنها لمن نحب. فالحب الصادق لا يجد دائماً الكلمات التى تليق به. كلما حاول الإنسان أن يصفه. شعر أن ما يقوله أقل من إحساسه. فيلجأ إلى التفاصيل الصغيرة. إهتمام صادق. سؤال فى وقته. حضور وقت الحاجة. نظرة تحمل الطمأنينة. يد تمتد دون طلب. أشياء بسيطة فى ظاهرها. لكنها قد تقول للإنسان ما تعجز الكلمات عن قوله.

والأمر نفسه يحدث مع الحزن. هناك أحزان لا تحتاج إلى نصائح. ولا تحتمل العبارات الجاهزة. يكفى أن يجلس إلى جوارك شخص دون أن يطلب منك الكلام. يكفى أن تشعر أنك لست وحدك فى تلك اللحظة. فبعض المواساة لا تُقال. وإنما تُمنح حضوراً وإهتماماً وصمتاً صادقاً.

حتى الإعتذار قد يصل إلى مرحلة لا تكفى فيها الكلمات. قد تقول: أنا آسف. عشرات المرات. لكن ما يعيد الثقة ليس تكرار العبارة. وإنما تغيّر السلوك. فالكلمات قد تفتح باب الإصلاح. لكنها لا تستطيع وحدها أن تبنى ما هدمته الأفعال. لذلك يكون الفعل الصادق أحياناً أبلغ من ألف إعتذار.

وفى المقابل. قد يكون الصمت مؤذياً إذا جاء فى المكان الذى يحتاج إلى كلمة. فليس كل صمت حكمة. وليس كل كلام عبئاً. هناك مواقف يكون فيها السكوت هروباً. ويكون فيها التعبير عن المشاعر نوعاً من الشجاعة. الإنسان الحكيم ليس من يصمت دائماً. ولا من يتحدث دائماً. وإنما من يعرف متى تكون الكلمة ضرورة. ومتى يكون الصمت أصدق.

ومع مرور السنوات يتعلم الإنسان أن قيمة الكلام ليست فى كثرة ما نقوله. وإنما فى صدقه. كلمة واحدة قد تبقى فى ذاكرة إنسان سنوات طويلة. لأنها قيلت فى اللحظة التى كان يحتاج إليها فيها. وكلمة أخرى قد تجرح قلباً لأنها خرجت بلا تفكير. ثم تنتهى المحادثة ويبقى أثرها.

لذلك لا ينبغى أن نستهين بالكلمات. حتى وإن كانت الكلمات عاجزة أحياناً عن التعبير الكامل. فالكلمة الصادقة تستطيع أن تفتح باباً أغلقه الخلاف. وأن تمنح أملاً لمن أوشك على اليأس. وأن تطمئن قلباً أرهقته المخاوف. لكن أجمل الكلمات هى التى تجد ما يؤكدها فى السلوك.

ليست القدرة على التعبير أن نجد كلمات كثيرة. وإنما أن نعرف كيف نمنح مشاعرنا الشكل الذى يليق بها. أحياناً تكون الكلمة هى الحل. وأحياناً تكون النظرة أصدق. وأحياناً يكون الحضور أبلغ. وقد يكون الصمت هو اللغة الوحيدة التى لا تخون الشعور.

فالإنسان لا يُقاس بما يقوله فقط. وإنما بما يجعل الآخرين يشعرون به. وعندما تعجز الكلمات عن حمل ما فى القلب. تبقى الأفعال الصادقة شاهدة على ما لم نستطع قوله.
تعليقات