📁 آخر الأخبار

المواطن المتفرج خطر صامت على المجتمع

المواطن المتفرج خطر صامت على المجتمع


بقلم: المهندس. يـاسـر أبو الغـيط

ليس كل خطر يواجه المجتمع صوتاً مرتفعاً أو فعلاً واضحاً يمكن رؤيته بسهولة. هناك أخطار أكثر هدوءاً تتسلل إلى الحياة اليومية دون أن نشعر بها. تبدأ من موقف صغير. ثم تتكرر. ثم تصبح مألوفة. ومع مرور الوقت تتحول إلى سلوك عام يصعب تغييره.

ومن أخطر هذه السلوكيات أن يتحول الإنسان إلى متفرج دائم.

يرى الخطأ أمامه ولا يتحرك. يرى الفوضى ولا يهتم. يرى حقاً يضيع ولا يعنيه الأمر. يشاهد سلوكاً يضر بالمكان أو بالناس ثم يكتفى بالنظر. وربما يعلق بكلمة عابرة. ثم يعود إلى حياته وكأن شيئاً لم يحدث.

المشكلة هنا ليست فى أن كل مواطن يستطيع أن يصلح كل شيء. فهذا غير منطقى. وليست المسؤولية أن يدخل الإنسان فى صدام مع الآخرين كلما رأى مخالفة. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول عدم الإهتمام إلى ثقافة. وعندما يصبح السؤال الدائم هو. ماذا سيحدث لى أنا.

فى المجتمعات الحية توجد مساحة بين الإنسان ونفسه وبين المجتمع الذى يعيش فيه. يشعر الإنسان أن الشارع الذى يسير فيه يخصه. وأن المكان العام ليس ملكاً مجهولاً. وأن راحة الآخرين جزء من راحته. وأن الحفاظ على الممتلكات العامة ليس مهمة موظف وحده. وأن إحترام النظام لا يكون خوفاً من العقوبة فقط. بل إحتراماً لفكرة العيش المشترك.

أما عندما تختفى هذه الفكرة. يصبح كل إنسان جزيرة منفصلة عن الآخرين.

وهنا تبدأ المشكلة.

قد يرى شخصاً يلقى المخلفات فى الشارع. فيتجاهل الأمر. ويرى آخر شخصاً يعتدى على حق غيره فى الطريق. فيقول إن الأمر لا يعنيه. ويرى ثالثاً سلوكاً يضر بمرفق عام. فيكتفى بالتصوير أو التعليق. ثم يستمر كل شيء كما هو.

ومع تكرار هذه المشاهد يبدأ الخطأ فى فقدان صفته كخطأ. يصبح الناس معتادين عليه. وما كان يثير الإستغراب بالأمس يصبح جزءاً من المشهد اليومى.

وهذه واحدة من أخطر مراحل تراجع المجتمع. أن يفقد الإنسان حساسيته تجاه الخطأ.

فالخطأ الذى يرفضه المجتمع يظل خطأً محدوداً. أما الخطأ الذى يتكرر أمام الناس دون إعتراض فيبدأ فى إكتساب شرعية وهمية. ليس لأنه أصبح صحيحاً. وإنما لأن الجميع إعتاد رؤيته.

وهنا يظهر المواطن المتفرج.

هو ليس بالضرورة شخصاً سيئاً. وقد يكون إنساناً محترماً فى حياته الخاصة. لكنه يعتقد أن الشأن العام لا يعنيه. يرى المشكلة بإعتبارها مسؤولية شخص آخر. ويؤجل دائماً فكرة التدخل أو الإبلاغ أو التنبيه إلى أن يصبح الأمر أكبر من قدرة الجميع على التعامل معه.

وهذا التفكير يحتاج إلى مراجعة.

لأن المجتمع ليس مجموعة من الأشخاص الذين يعيشون بجوار بعضهم فقط. المجتمع شبكة من المسؤوليات الصغيرة. وكل إنسان يؤثر فى هذه الشبكة بطريقة أو بأخرى.

الكلمة تؤثر. والسلوك يؤثر. والصمت يؤثر. واللامبالاة تؤثر.

حتى عدم الإعتراض يمكن أن يصبح رسالة يفهمها الآخرون بطريقة خاطئة.

عندما يعتاد شخص على إلقاء المخلفات فى مكان عام ولا يجد أي إعتراض. قد يعتقد أن الأمر عادى. وعندما يرى آخرون ذلك ثم يفعلون الشيء نفسه. تتسع الدائرة. وبعد فترة يصبح تنظيف المكان أصعب بكثير من منع السلوك منذ بدايته.

الأمر نفسه يحدث فى العمل.

قد يرى موظف إهمالاً متكرراً. فيصمت لأنه لا يريد المشكلات. وقد يرى زميلاً لا يؤدى واجبه. فيتحمل عنه جزءاً من العمل حتى لا يحدث خلاف. وقد يرى آخر خللاً يمكن إصلاحه بسهولة. لكنه يفضل الصمت لأنه يعتقد أن الأمر ليس من إختصاصه.

ومع الوقت يتكون نظام غير مكتوب. المجتهد يعمل أكثر. والمهمل يجد من يغطيه. والمشكلة تستمر. ثم يتساءل الجميع بعد سنوات. لماذا تراجع الأداء.

أحياناً يكون الجواب موجوداً أمامهم منذ البداية.

لأن الصمت المتكرر سمح للمشكلة أن تكبر.

ولا يعنى هذا أن يتحول كل موظف إلى مفتش على زملائه. فذلك قد يصنع بيئة مليئة بالصدام والشك. لكن هناك فرقاً كبيراً بين التدخل فى شؤون الآخرين وبين الإحساس بالمسؤولية المهنية.

الموظف الذى يرى مشكلة تؤثر فى العمل يستطيع أن ينبه إليها بالطريقة المناسبة. والمدير الذى تصله ملاحظة صادقة يستطيع أن يدرسها. والمؤسسة التى تحترم الرأى تستطيع أن تحول الملاحظة إلى فرصة للتطوير.

أما المؤسسة التى تجعل الناس يخافون من الكلام. فسوف تحصل فى النهاية على موظفين يتحدثون فيما بينهم. ويصمتون أمام المشكلة.

وهذا الصمت لا يصنع إستقراراً.

إنه يؤجل الإنفجار.

وفى الحياة اليومية توجد أمثلة أكثر قرباً من الناس. شخص يضع سيارته بطريقة تعطل الطريق. آخر يرفع صوت الموسيقى فى وقت يزعج فيه الآخرين. شخص يحتل مكاناً عاماً وكأنه ملك خاص. وآخر يتجاوز دوره فى طابور لأنه يرى أن وقته أهم من وقت الآخرين.

كل هذه التفاصيل تبدو صغيرة منفردة. لكنها عندما تتكرر تصبح ثقافة.

والمجتمع لا يتغير فقط بالقرارات الكبرى. بل يتغير أيضاً من خلال هذه التفاصيل التى يعيشها الناس كل يوم.

هناك إعتقاد شائع بأن إصلاح المجتمع مسؤولية المؤسسات وحدها. وهذا غير دقيق. المؤسسات لها مسؤولياتها بالتأكيد. والقانون له دوره. والرقابة لها دورها. لكن المواطن أيضاً شريك فى صناعة البيئة التى يعيش فيها.

لا يمكن أن نطالب بالنظافة ونلقى المخلفات فى الشارع. ولا يمكن أن نطالب بالنظام ثم نبحث عن إستثناء لأنفسنا. ولا يمكن أن نطالب الآخرين بإحترام القانون ثم نعتبر مخالفتنا الشخصية أمراً بسيطاً.

المشكلة تبدأ عندما يصبح القانون مطلوباً من الآخرين فقط.

وهنا نصل إلى واحدة من أعمق مشكلات السلوك الإجتماعى. وهى أن الإنسان قد يعرف الحق جيداً عندما يكون فى صالحه. لكنه يصبح أقل إهتماماً به عندما يتطلب منه شيئاً.

نريد طريقاً نظيفاً. لكننا لا نريد أن نلتزم بسلوك يحافظ عليه.

نريد موظفاً محترماً. لكننا قد نتعامل معه بعصبية عندما تتعطل مصلحتنا.

نريد إدارة عادلة. لكننا قد نطالب بإستثناء خاص عندما تكون المصلحة لنا.

نريد مجتمعًا منظماً. لكننا أحياناً نريد النظام بشرط ألا يقيد حريتنا الشخصية.

وهنا لا تعود المشكلة مشكلة الآخرين وحدهم.

إنها مشكلة فى علاقتنا بفكرة المسؤولية.

المسؤولية الحقيقية تبدأ عندما يفهم الإنسان أن حقوقه لا تنفصل عن واجباته. وأنه ليس مجرد صاحب مطالب. بل هو أيضاً صاحب دور.

وهذا الدور لا يحتاج دائماً إلى بطولة.

قد يكون الدور أن تحافظ على نظافة المكان. أو أن تضع شيئاً فى موضعه الصحيح. أو أن تنبه شخصاً بطريقة محترمة. أو أن تبلغ عن مشكلة من خلال القنوات المناسبة. أو أن تساعد شخصاً لا يعرف الطريق. أو أن تمنع طفلاً من إتلاف شيء عام. أو أن ترفض المشاركة فى سلوك تعرف أنه يضر الآخرين.

أشياء بسيطة جداً. لكنها تصنع فارقاً كبيراً عندما تتكرر على نطاق واسع.

ومن الخطأ أيضاً أن نفهم المسؤولية بإعتبارها مواجهة دائمة. ليس المطلوب من المواطن أن يدخل فى مشاجرات. ولا أن يعرض نفسه للخطر. ولا أن يتولى مهام الجهات المختصة. هناك مواقف يكون فيها الإبلاغ أفضل من المواجهة. وهناك مواقف يكون فيها الصمت الحكيم أفضل من الجدال. وهناك مواقف لا يكون التدخل فيها آمناً أصلاً.

المهم ألا تتحول هذه الإستثناءات إلى مبرر دائم للامبالاة.

المواطن الواعى يعرف متى يتدخل. ويعرف كيف يتدخل. ويعرف أيضاً متى يترك الأمر للجهة المختصة.

لكن المواطن المتفرج لا يفكر فى ذلك كله.

هو فقط يمر. يرى. ثم ينسى.

وهنا تكمن خطورته.

لأن المجتمع الذى يكثر فيه المتفرجون يصبح مجتمعاً قليل المناعة أمام السلوكيات السلبية. كل فرد ينتظر الآخر. وكل شخص يعتقد أن دوره أقل أهمية من دور غيره. وفى النهاية لا يتحرك أحد.

إنها دائرة مغلقة.

قد يقول شخص. لماذا أتدخل وأنا وحدى. وقد يقول آخر. وماذا سيحدث لو تكلمت. وقد يقول ثالث. هناك جهات مسؤولة عن ذلك. ثم يكرر الجميع الفكرة نفسها.

فتظل المشكلة.

ولهذا فإن التغيير يبدأ أحياناً من كسر هذه الدائرة. ليس ببطولة فردية. وإنما بخطوة مسؤولة.

المجتمع لا يحتاج إلى ملايين الأبطال. لكنه يحتاج إلى ملايين الأشخاص الذين يؤدون مسؤولياتهم الصغيرة بصدق.

وهذا ينطبق أيضاً على الأسرة. فالطفل يتعلم من المشاهدة أكثر مما يتعلم من المواعظ. عندما يرى والديه يحترمان المكان العام. ويلتزمان بالنظام. ويحترمان الآخرين. ويتعاملان مع الخطأ بوعى. فإنه يتعلم أن المسؤولية ليست درساً مدرسياً. بل طريقة حياة.

أما إذا سمع الطفل طوال الوقت حديثاً عن الأخلاق والنظام. ثم رأى سلوكاً مختلفاً فى الواقع. فسوف يتعلم شيئاً أخطر. سيتعلم أن الكلام شيء. والحياة شيء آخر.

ومن هنا تبدأ صناعة المواطن المتفرج.

إن المجتمع الذى يريد تغيير سلوكه يحتاج إلى تغيير طريقة التفكير قبل تغيير المشهد. يحتاج إلى أن يفهم الناس أن المصلحة العامة ليست شيئاً بعيداً عن حياتهم. هى مجموع التفاصيل التى يعيشونها كل يوم.

الشارع الذى نسير فيه مصلحة عامة. والمرفق الذى نستخدمه مصلحة عامة. والحديقة التى يجلس فيها أطفالنا مصلحة عامة. والوقت الذى نحترمه عند الآخرين مصلحة عامة. والحق الذى نتركه لصاحبه مصلحة عامة.

كلما إتسعت دائرة إحترامنا لهذه الأشياء. أصبح المجتمع أكثر قدرة على حماية نفسه.

ولذلك لا ينبغى أن نسأل فقط. من المسؤول عن المشكلة.

بل ينبغى أن نسأل أيضاً. ماذا أستطيع أن أفعل أنا.

هذا السؤال لا يعفى المسؤول المختص من مسؤوليته. ولا ينقل واجبات المؤسسات إلى المواطن. لكنه يمنع المواطن من تحويل نفسه إلى متفرج دائم.

فالمؤسسة تحتاج إلى مواطن واعٍ. والمواطن يحتاج إلى مؤسسة تعمل. وكل طرف يحتاج إلى الآخر.

الإصلاح الحقيقى لا يقوم على إلقاء المسؤولية من طرف إلى طرف. بل يقوم على معرفة كل طرف لدوره. ثم أداء هذا الدور بأكبر قدر ممكن من الأمانة.

ربما لن نستطيع تغيير كل شيء. وربما سنواجه سلوكيات سلبية تستغرق سنوات حتى تتغير. لكن هذا لا يعنى أن نتوقف عن المحاولة.

فكل سلوك إيجابى له أثر. وكل مخالفة نرفض المشاركة فيها هى خطوة. وكل مكان نحافظ عليه هو خطوة. وكل إنسان نساعده على فهم مسؤوليته هو خطوة.

وقد يبدو أثر الخطوة الواحدة صغيراً. لكن المجتمعات لا تتغير إلا عندما تتراكم الخطوات الصغيرة.

المواطن ليس مجرد شخص يسكن مكاناً. المواطن شريك فى صناعة المكان الذى يسكنه. إما أن يكون جزءاً من المشكلة. وإما أن يكون جزءاً من الحل.

وليس المطلوب أن يحمل الإنسان المجتمع فوق كتفيه. المطلوب فقط ألا يتخلى عن الجزء الصغير الذى يستطيع القيام به.

فالمتفرج قد لا يرتكب الخطأ. لكنه عندما يعتاد رؤية الخطأ دون إهتمام. فإنه يساعد على بقائه بطريقة غير مباشرة.

أما الإنسان الذى يشعر بأن له دوراً. فيبدأ من نفسه. ويحافظ على ما يستطيع. ويتحدث عندما يكون الحديث مسؤولية. ويصمت عندما يكون الصمت حكمة. ويبلغ عندما يكون الإبلاغ هو الطريق الصحيح. ويترك المكان أفضل قليلاً مما وجده.

وهكذا تبدأ المجتمعات فى إستعادة عافيتها. ليس بصوت أعلى. ولا بشعارات أكثر. ولكن بمواطن قرر ألا يكون متفرجاً.

تعليقات