الوحدة وسط زحام الوجوه
بقلم: المهندس. يـاسـر أبو الغـيط
قد يجلس الإنسان بين عشرات الأشخاص. ثم يعود إلى بيته وهو يشعر بأنه لم يلتق أحداً. وقد يقضى ساعات طويلة فى الحديث والضحك والمشاركة. ثم يكتشف فى نهاية اليوم أن بداخله شيئاً لم يستطع أن يقوله لأحد. هذه هى الوحدة التى لا يراها الناس.
فالوحدة ليست دائماً غرفة فارغة. وليست دائماً مقعداً وحيداً فى مكان بعيد. أحياناً تكون الوحدة أن يكون حولك كثيرون. لكن لا يوجد بينهم شخص واحد تستطيع أن تضع أمامه قلبك دون خوف.
هناك فرق كبير بين أن تكون وحيداً وأن تشعر بالوحدة. قد يختار الإنسان أحياناً أن يجلس وحده. فيقرأ. أو يكتب. أو يتأمل. أو يستريح من ضجيج العالم. ويكون فى تلك اللحظة أكثر راحة من وجوده بين الناس. العزلة التى يختارها الإنسان قد تكون راحة. أما الوحدة التى تفرض نفسها على الروح فهى شيء آخر.
قد يعيش الإنسان وسط أسرته. ويذهب إلى عمله كل صباح. ويلتقى بأصدقائه. ويتبادل الحديث مع الآخرين. ويشاركهم المناسبات. ومع ذلك يشعر بأن هناك مسافة لا يستطيع أحد عبورها. مسافة بين ما يقوله وما يشعر به. وبين الصورة التى يظهر بها للناس والحقيقة التى يعيشها داخله. وهذه المسافة قد تكون أكثر إيلاماً من غياب الناس أنفسهم.
لأن الإنسان عندما يكون وحده يعرف أنه وحده. أما عندما يكون وسط الزحام ويشعر بالوحدة فإنه يبدأ فى التساؤل عن السبب. كيف يمكن أن أكون محاطاً بكل هؤلاء ولا أجد شخصاً أشعر معه بأننى لست غريباً؟
والإجابة ليست دائماً فى عدد العلاقات. فالإنسان لا يحتاج إلى عشرات الأشخاص حتى يشعر بالأمان. قد يحتاج إلى شخص واحد يفهم صمته. وشخص واحد يستطيع أن يسمع حديثه دون أن يحوله إلى مادة للحكم. وشخص واحد لا يطالبه بأن يمثل دوراً معيناً حتى يبقى قريباً منه. الجودة أهم من العدد.
ولهذا قد تكون حياة الإنسان مليئة بالأسماء وفقيرة فى العلاقات الحقيقية. يعرف الكثيرين. ويتحدث مع الكثيرين. ويصافح الكثيرين. لكنه لا يعرف إلى من يذهب عندما تضيق به نفسه.
وهنا تصبح العلاقات مثل الشوارع المزدحمة. حركة كثيرة. وأصوات كثيرة. ووجوه كثيرة. لكن لا يوجد طريق يصل إلى المكان الذى يحتاج الإنسان أن يصل إليه.
ولعل من أكثر أسباب الوحدة الحديثة أن الناس أصبحوا يتواصلون أكثر ويتقابلون أقل على المستوى الإنسانى. كلمات كثيرة. ورسائل كثيرة. وصور كثيرة. وتعليقات كثيرة. لكن القليل من الحديث الذى يصل إلى العمق.
قد يعرف الإنسان تفاصيل يوم شخص آخر من خلال ما يراه عنه. لكنه لا يعرف كيف حال قلبه. وقد يرسل عشرات الرسائل. ثم يكتشف أنه لا يستطيع أن يرسل رسالة واحدة يقول فيها بصدق. أنا متعب.
وهنا تظهر مفارقة مؤلمة. لقد أصبح الوصول إلى الآخرين أسهل. لكن الوصول إلى قلوبهم ليس بالسهولة نفسها. نستطيع أن نصل إلى شخص فى لحظات. لكننا قد نحتاج إلى سنوات حتى نشعر أننا نعرفه حقاً.
فالقرب الحقيقى لا تصنعه كثرة التواصل فقط. يصنعه الأمان. والأمان لا يعنى أن تجد شخصاً يوافقك فى كل شىء. بل أن تجد شخصاً تستطيع أن تختلف معه دون أن تخشى أن يفقد إحترامه لك. أن تتحدث دون أن تحسب كل كلمة. أن تعترف بخطئك دون أن يتحول إعترافك إلى سلاح ضدك. أن تقول إنك خائف دون أن تشعر بأنك فقدت قيمتك. أن تكون سعيداً دون أن تخشى الحسد. وأن تكون ضعيفاً دون أن تشعر بأن ضعفك سيغير صورة الآخر عنك.
لهذا فإن بعض الناس لا يعانون من قلة العلاقات. بل يعانون من قلة العلاقات الآمنة.
وقد تبدأ الوحدة أحياناً بعد تجربة مؤلمة. خذلان من شخص وثقنا به. إنتهاء علاقة كانت تمثل مساحة كبيرة من حياتنا. تغير صديق قديم. فقدان إنسان كان وجوده يمنح الأيام معنى مختلفاً.
بعد هذه التجارب قد لا يقرر الإنسان بوعى أن يبتعد عن الناس. لكنه يبدأ فى بناء جدار حول نفسه. يقول لنفسه إن الإقتراب مؤلم. وإن الثقة مخاطرة. وإن الأفضل ألا يتعلق بأحد. ثم يعتاد الجدار. ومع مرور الوقت ينسى أنه هو الذى بناه.
وهنا تصبح الوحدة عادة. وهذا أخطر ما فى الأمر. أن تتحول الوحدة من ظرف مؤقت إلى أسلوب حياة.
يعتاد الإنسان ألا يحكى. ثم يعتاد ألا يطلب. ثم يعتاد ألا ينتظر أحداً. ثم يقنع نفسه بأن عدم الإحتياج إلى الآخرين نوع من القوة.
لكن الإنسان ليس جزيرة. مهما بلغ إستقلاله فإنه يحتاج إلى الآخرين فى لحظات كثيرة. يحتاج إلى كلمة. وإلى مشاركة. وإلى ضحكة. وإلى حضن معنوى. وإلى شخص يعرفه بما يكفى حتى يلاحظ تغير صوته دون أن يشرح له السبب.
الإحتياج إلى الآخرين ليس نقصاً. إنه جزء من الطبيعة الإنسانية. المشكلة ليست فى أن تحتاج. المشكلة فى أن تجعل إحتياجك سبباً فى قبول أى علاقة مهما كانت مؤذية.
وهنا يجب أن نفرق بين الهروب من الوحدة والبحث عن الصحبة. من يخاف الوحدة قد يتمسك بأشخاص لا يناسبونه. وقد يقبل الإهانة حتى لا يبقى وحده. وقد يستمر فى علاقة تستنزفه لأنه يظن أن وجود شخص فى حياته أفضل من غيابه.
لكن الوحدة أحياناً أرحم من علاقة تجعل الإنسان يشعر بأنه غير مرغوب فيه. أن تجلس وحدك وأنت مطمئن أفضل من أن تجلس بجوار شخص وتشعر أنك زائد عن الحاجة. أن تعرف قيمتك بعيداً عن علاقة مؤذية أفضل من أن تحصل على وجود الآخرين مقابل أن تتنازل عن نفسك.
فالهدف ليس أن نهزم الوحدة بأى شكل. الهدف أن نبنى علاقات تستحق أن نهزم الوحدة من أجلها.
وهذا يبدأ من الإنسان نفسه. فبعض الناس ينتظرون أن ينقذهم الآخرون من وحدتهم بينما لا يمنحون أحداً فرصة حقيقية للإقتراب. يريدون شخصاً يفهمهم. لكنهم لا يتحدثون. يريدون شخصاً يهتم. لكنهم لا يظهرون إحتياجاتهم. يريدون علاقة عميقة. لكنهم يخافون من كشف أى جزء حقيقى من أنفسهم.
وهنا تصبح الرغبة فى القرب والصعوبة فى الإقتراب متناقضتين. لا يمكن للإنسان أن يبنى علاقة عميقة وهو لا يسمح للآخر بأن يرى شيئاً من حقيقته.
القرب يحتاج إلى قدر من الصراحة. والصراحة تحتاج إلى شجاعة. ليس المطلوب أن تحكى أسرارك لكل شخص. وليس المطلوب أن تمنح ثقتك بسرعة. لكن من الضرورى أن تسمح للعلاقات الجيدة بأن تنمو تدريجياً.
فالثقة لا تولد كاملة. إنها تبنى مع الوقت. موقف بعد موقف. وكلمة بعد كلمة. ووفاء بعد وفاء. حتى يشعر الإنسان أن الطرف الآخر أصبح مكاناً آمناً وليس مجرد شخص يعرفه.
ومن أسباب الوحدة أيضاً أن الإنسان قد يتغير بينما تظل علاقاته كما هى. قد يكبر الإنسان فكرياً. وتتغير إهتماماته. وتتغير أولوياته. وتتغير نظرته إلى الحياة. لكنه يستمر فى علاقات لا يجد فيها نفسه.
فيجلس مع الآخرين. ويضحك معهم. لكنه يشعر أنه لم يعد ينتمى إلى الحديث. وهنا لا تكون المشكلة دائماً فى الآخرين. أحياناً تكون الحياة قد دفعت الإنسان إلى مرحلة جديدة. وهذا طبيعى.
بعض العلاقات ترافقنا لسنوات طويلة. وبعضها ينتهى دوره بهدوء. وليس معنى إنتهاء علاقة أن أحد الطرفين سيئ. أحياناً تكون المسافة نتيجة طبيعية لإختلاف الطرق.
لكن الإنسان يحتاج إلى الوعى حتى لا يحول إنتهاء علاقة إلى حكم على كل العلاقات. أن يخرج من تجربة مؤلمة ويقول. الجميع سيخذلوننى. أن يفشل فى علاقة ويقول. لا أحد يستحق الثقة. أن يمر بخيبة ويقرر ألا يحب مرة أخرى.
هذه ليست حماية دائماً. قد تكون الخيبة قد علمتك الحذر. لكن لا تجعلها تعلمك القسوة. لا تجعل شخصاً واحداً يدفعك إلى معاقبة كل الأشخاص الذين لم تقابلهم بعد.
ومن ناحية أخرى. هناك مسؤولية إجتماعية بسيطة يمكن لكل إنسان أن يمارسها. أن ينتبه إلى من حوله. قد يكون بجوارك إنسان يشعر بالوحدة ولا يقول ذلك. زميل يشارك الجميع الضحك لكنه يعود إلى بيته مثقلاً. قريب يرفض الحديث عن مشكلاته حتى لا يزعج أحداً. صديق إعتاد أن يكون موجوداً للجميع لكنه لم يجد من يسأل عنه.
لا نحتاج دائماً إلى حلول عظيمة. أحياناً يكفى إتصال. أو جلسة هادئة. أو سؤال صادق. أو دعوة إلى فنجان قهوة. أو جملة تقول. أنا موجود إذا إحتجت إلى الحديث.
هذه الأشياء تبدو صغيرة. لكنها قد تكون كبيرة جداً بالنسبة إلى إنسان يعيش أيامه دون أن يشعر بأن أحداً يراه.
والإهتمام الحقيقى لا يحتاج إلى إستعراض. قد يكون أكثر الناس إحتياجاً إلى الإهتمام هو أقلهم طلباً له. لذلك لا تنتظر دائماً أن يرفع الإنسان يده ويقول إنه وحيد. بعض الناس تعلموا منذ زمن طويل ألا يطلبوا شيئاً. وقد يكون من الصعب عليهم أن يقولوا. أحتاج إليك.
وهنا يصبح دور الإنسان الناضج أن يفهم الإشارات دون أن يتطفل. وأن يقترب دون أن يقتحم. وأن يعرض وجوده دون أن يفرضه.
الوحدة أيضاً قد تكون فرصة لمراجعة العلاقة بالنفس. فالإنسان الذى لا يستطيع أن يجلس مع نفسه قد يبحث بإستمرار عن ضجيج يهرب إليه. يحتاج إلى هاتف. أو حديث. أو خروج دائم. أو إنشغال متواصل. حتى لا يسمع ما يدور بداخله.
لكن الهدوء يكشف أشياء كثيرة. يكشف ما نفتقده. وما نخشاه. وما نريده. وما نقبله رغم أنه لا يناسبنا.
لذلك ليست كل لحظة وحدة عدواً. أحياناً نحتاج إلى الوحدة حتى نعيد ترتيب أنفسنا. نحتاج إلى أن نجلس بعيداً عن أصوات الآخرين حتى نسمع صوتنا نحن.
لكن يجب أن تكون الوحدة مساحة للعودة إلى النفس. لا سجناً نختبئ فيه من الحياة.
وهناك فرق بين الإنسان الذى يستمتع بوقته وحده والإنسان الذى يستخدم الوحدة حتى لا يواجه الحياة. الأول يعرف كيف يصاحب نفسه. والثانى يخشى أن يقترب من نفسه.
وأجمل ما يمكن أن يصل إليه الإنسان هو التوازن. أن يعرف كيف يكون وحده دون أن يشعر بأنه مهجور. وأن يكون بين الناس دون أن يفقد نفسه. أن يملك أصدقاء دون أن يجعل وجودهم شرطاً لراحته. وأن يحب دون أن يحول الحب إلى خوف دائم من الفقد. وأن يثق دون أن يتخلى عن وعيه. وأن يحافظ على خصوصيته دون أن يبنى حول قلبه جداراً لا يدخل منه أحد.
الحياة لا تعطينا دائماً الأشخاص الذين نريدهم. لكنها تمنحنا أحياناً فرصة لأن نكون نحن الأشخاص الذين يحتاج إليهم الآخرون.
فإذا كنت تعرف معنى الوحدة. فلا تجعل معرفتك بها سبباً فى تجاهل وحدة غيرك. إسأل عن صديق غاب. إقترب من شخص تغير. إستمع إلى من يتحدث كثيراً دون أن يقول شيئاً حقيقياً. وٱترك بابك مفتوحاً لمن يحتاج إلى مساحة آمنة.
فربما لا تستطيع أن تحل مشكلة إنسان. لكن وجودك بجواره قد يجعله أكثر قدرة على مواجهتها.
ليست الوحدة أن تجلس وحدك فى غرفة. الوحدة الحقيقية أن تشعر أنك لا تستطيع أن تكون نفسك أمام أحد. أن تضحك دون أن يشاركك أحد فرحتك. أن تحزن دون أن تجد أذناً تسمعك. أن تحمل شيئاً ثقيلاً فى داخلك ولا تعرف لمن تقوله.
ولهذا فإن الإنسان لا يحتاج دائماً إلى زحام أكبر. إنه يحتاج إلى قرب أصدق. قد يكون حولك مئات الوجوه. لكن وجهاً واحداً يفهمك قد يختصر المسافة كلها.
وقد تجلس وحدك ذات مساء. ولا تشعر بالوحدة. لأنك أخيراً تصالحت مع نفسك. وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية.
فأحياناً لا يكون علاج الوحدة أن نجد شخصاً آخر. بل أن نجد أنفسنا أولاً. ثم نسمح لمن يستحق أن يقترب.
