📁 آخر الأخبار

حين يتولى غير المتخصص قيادة التخصص

 حين يتولى غير المتخصص قيادة التخصص


بقلم: المهندس. يـاسـر أبو الغـيط


ليست كل مشكلة في بيئة العمل تبدأ من ضعف الإمكانات. وليست كل أزمات المؤسسات سببها نقص الموارد أو قلة عدد العاملين. أحياناً يكون الخلل أعمق من ذلك بكثير. يبدأ الخلل عندما يوضع الإنسان فى المكان الذى لا يتناسب مع تخصصه وخبرته وقدرته الحقيقية على فهم طبيعة العمل الذى أُسند إليه.

فالتخصص ليس مجرد شهادة معلقة على جدار. التخصص رحلة طويلة من الدراسة والتدريب والممارسة وإكتساب الخبرة وفهم التفاصيل الدقيقة للمهنة. وكل مهنة لها أدواتها ومصطلحاتها وقواعدها ومشكلاتها التى لا يستطيع الإنسان الإحاطة بها لمجرد أنه درس مجالاً قريباً منها أو عمل سنوات طويلة فى مجال مختلف.

وقد يبدو الأمر فى بدايته بسيطاً. شخص ينتقل من مجال إلى مجال آخر. أو يتولى إدارة مؤسسة لا تتصل بتخصصه المباشر. لكن المشكلة الحقيقية تظهر عندما يتحول هذا الإستثناء إلى أسلوب متكرر. وعندما يصبح المنصب أهم من التخصص. وعندما يصبح مجرد الوصول إلى المقعد الإدارى كافياً للتعامل مع مؤسسة كاملة باعتبار أن تفاصيل مهنتها يمكن فهمها بسهولة.

هناك فارق كبير بين الإدارة العامة وبين إدارة تخصص دقيق.

قد يكون الإنسان إدارياً ناجحاً. وقد يمتلك شخصية قوية وقدرة على التواصل وإتخاذ القرار. وقد يكون صاحب خبرة طويلة فى العمل المؤسسى. لكن ذلك لا يعنى بالضرورة أنه يستطيع إدارة كل نشاط مهما كان بعيداً عن مجاله. فإدارة مؤسسة هندسية ليست كإدارة مؤسسة إعلامية. وإدارة هيئة زراعية ليست كإدارة منشأة صناعية. وإدارة النشاط التجارى ليست كإدارة مؤسسة تعتمد على تخصصات علمية أو فنية دقيقة.

ولنأخذ مجال الإعلام مثالاً واضحاً. قد يكون شخص ما حاصلاً على مؤهل من كلية الإعلام. لكن كلية الإعلام نفسها تضم تخصصات ومسارات مختلفة. الصحافة لها طبيعتها. والإذاعة والتليفزيون لهما طبيعة أخرى. والعلاقات العامة والإعلان لهما أدوات مختلفة. وقد يدرس الإنسان مجالاً ثم يعمل فى مجال آخر قريب منه. وقد ينجح بالفعل بفضل قدراته الشخصية وخبرته العملية. لكن النجاح هنا لا ينبغى أن يجعلنا نلغى قيمة التخصص أو نتصور أن جميع فروع المهنة شيء واحد.

والأمر نفسه ينطبق على الهندسة. فليس كل من تعامل مع موقع عمل أو إرتدى خوذة أو عمل بالقرب من المهندسين يصبح مهندساً. وليس من الصواب أن يتحول المسمى الوظيفى إلى بديل عن المؤهل والخبرة. فالهندسة علم له أصوله. ولها تخصصاتها الدقيقة. ولها مسؤوليات فنية وقانونية ومهنية لا يجوز التعامل معها باعتبارها مجرد لقب إجتماعى.

والمشكلة لا تتوقف عند الألقاب. الأخطر أن يحمل الإنسان مسؤولية مؤسسة تعتمد فى نشاطها الأساسى على تخصص لا يعرف تفاصيله.

قد يتولى شخص غير متخصص إدارة منشأة هندسية. وقد يتولى آخر إدارة نشاط صناعى وهو بعيد عن الصناعة. وقد يتولى ثالث إدارة مؤسسة زراعية دون أن تكون له معرفة حقيقية بطبيعة الإنتاج الزراعى ومشكلاته. وقد يحدث الأمر نفسه فى التجارة أو النقل أو الخدمات أو التكنولوجيا أو غيرها من المجالات.

وهنا تبدأ الفجوة بين صاحب القرار وبين طبيعة العمل.

فالمدير غير المتخصص قد يعتمد بصورة أكبر على التقارير التى تصل إليه. وقد يجد نفسه مضطراً إلى الإستعانة الدائمة بآراء الآخرين لفهم التفاصيل الفنية. وهذا أمر طبيعى فى حد ذاته. فالمدير مهما بلغت خبرته لا يمكن أن يعرف كل شيء. لكن المشكلة تبدأ عندما لا يستطيع التمييز بين الرأى الفنى السليم والرأى الذى يحتاج إلى مراجعة. وعندما يصبح غير قادر على إكتشاف الخطأ الفنى قبل أن يتحول إلى قرار إدارى.

أما المدير المتخصص فيمتلك ميزة مهمة. إنه يعرف لغة العاملين معه. ويفهم طبيعة المشكلات التى يواجهونها. ويستطيع أن يقرأ الأرقام من داخلها. ويعرف أين تكمن المشكلة الحقيقية. ويستطيع أن يميز بين الحل المؤقت والحل الجذرى.

وهذه المعرفة لا تأتى فى يوم وليلة.

المهندس الذى قضى سنوات فى تخصصه لا ينظر إلى المشكلة الهندسية بالطريقة نفسها التى ينظر بها شخص بعيد عن المجال. والطبيب لا يرى المشكلة الطبية كما يراها الإدارى العام. والخبير الزراعى يقرأ الأرض والمحصول والمرض النباتى والمياه والإنتاج بمنظور مختلف. والمتخصص فى الصناعة يعرف أن بعض القرارات التى تبدو بسيطة على الورق قد تؤثر بصورة مباشرة فى خطوط الإنتاج والجودة والتكلفة والسلامة.

لهذا فإن وضع الشخص المناسب فى المكان المناسب ليس شعاراً إدارياً جميلاً. إنه قاعدة أساسية من قواعد بناء المؤسسات الناجحة.

ولا يعنى ذلك أن المدير يجب أن يكون أكثر شخص تخصصاً فى المؤسسة. فالقيادة الإدارية لها متطلبات أخرى. قد يحتاج المدير إلى مهارات فى التخطيط وإدارة الموارد البشرية والتمويل وإتخاذ القرار والتفاوض وإدارة الأزمات. لكن إمتلاك هذه المهارات لا يلغى أهمية الفهم الأساسى لطبيعة النشاط الذى يقوده.

القيادة الناجحة تحتاج إلى توازن بين التخصص والإدارة.

فالمتخصص الذى لا يمتلك أى مهارة إدارية قد يفشل فى قيادة مؤسسة. والإدارى الذى لا يفهم طبيعة النشاط الذى يديره قد يفشل أيضاً. أما النموذج الأفضل فهو الإنسان الذى يجمع بين المعرفة المهنية والقدرة الإدارية. وإذا تعذر الجمع الكامل بينهما. فيجب على الأقل أن تكون هناك منظومة مؤسسية تضمن وجود الخبرة الفنية الحقيقية إلى جوار صاحب القرار الإدارى.

فالمدير القوى ليس هو الذى يعرف كل شيء. وإنما هو الذى يعرف ما الذى لا يعرفه. ويعرف متى يستعين بالمتخصص. ويعرف كيف يختار المتخصص الصحيح. ويعرف كيف يستمع إليه دون أن يتخلى عن مسؤوليته فى إتخاذ القرار.

أما أخطر صور الإدارة فهى أن يرفض المسؤول الإعتراف بحاجته إلى أهل الخبرة. لأن المؤسسة فى هذه الحالة تتحول تدريجياً إلى مساحة يتحكم فيها الإنطباع الشخصى بدلاً من المعرفة المهنية.

ومن هنا يمكن أن نفهم لماذا تتراجع بعض المؤسسات رغم إمتلاكها المال والمبانى والمعدات والعمالة. فالإنتاج لا يصنعه رأس المال وحده. والمعدات لا تعمل بكفاءة لمجرد وجودها. والمؤسسة لا تتقدم بمجرد وجود هيكل إدارى طويل. هناك عقل يدير. وخبرة توجه. وتخصص يحدد الطريق الصحيح.

وعندما تختل هذه العناصر. تبدأ المؤسسة فى دفع الثمن.

قد يتراجع الإنتاج. وقد ترتفع التكلفة. وقد تتكرر الأخطاء. وقد تتعطل خطط التطوير. وقد يفقد العاملون ثقتهم فى جدوى الخبرة التى يمتلكونها. والأسوأ من ذلك أن يشعر المتخصص بأن سنوات دراسته وخبرته أصبحت بلا قيمة أمام شخص لا يمتلك الأدوات المهنية نفسها.

وهنا تظهر مشكلة أخرى لا تقل خطورة. وهى قتل الدافع لدى الكفاءات.

عندما يرى الموظف المتخصص أن التقدم لا يرتبط بالكفاءة والتخصص والخبرة. يبدأ فى فقدان الحافز. وقد يقول لنفسه إن الإجتهاد لا يغير شيئاً. وإن المعرفة ليست طريقاً حقيقياً إلى المسؤولية. ومع مرور الوقت تتحول هذه الفكرة الفردية إلى ثقافة داخل المؤسسة.

وهذه الثقافة أخطر من الخطأ الإدارى نفسه.

لأن المؤسسة الناجحة لا تحتاج فقط إلى مدير جيد. إنها تحتاج إلى بيئة يشعر فيها المتخصص أن علمه وخبرته محل تقدير. ويشعر فيها العامل المجتهد أن طريقه إلى التقدم يمر عبر الكفاءة. ويعرف فيها الجميع أن المناصب ليست غاية فى ذاتها. وإنما وسيلة لتحقيق أهداف المؤسسة.

كما أن إحترام التخصص لا يعنى إغلاق الأبواب أمام أصحاب الخبرات المتنوعة. فالتنوع المهنى قد يكون مصدر قوة حقيقياً. لكن التنوع شيء. ووضع شخص فى موقع يحتاج إلى معرفة فنية لا يمتلكها شيء آخر.

وقد يكون الإنتقال بين التخصصات مفيداً فى بعض الحالات. خصوصاً عندما يكون لدى الإنسان تعليم مناسب وخبرة عملية كافية وتأهيل حقيقى للمهمة الجديدة. لكن الفرق كبير بين تغيير المسار المهنى بعد إكتساب مقوماته. وبين القفز إلى مجال جديد دون إمتلاك أدواته.

والأمر نفسه ينطبق على المناصب القيادية.

ليس كل صاحب خبرة يصلح مديراً. وليس كل مدير يصلح لرئاسة مؤسسة. وليس كل شخص ناجح فى موقع صغير يستطيع إدارة مؤسسة كبيرة. فحجم المسؤولية يتغير. وطبيعة القرار تتغير. وحجم المخاطر يتغير. وعدد العاملين يتغير. وحجم الموارد التى تقع تحت مسؤولية المدير يتغير.

لذلك تحتاج القيادة إلى مجموعة من الشروط. المعرفة. والخبرة. والقدرة على إتخاذ القرار. والقدرة على إدارة البشر. والقدرة على قراءة الأرقام. والقدرة على التخطيط. والقدرة على مواجهة الأزمات. والأهم من ذلك كله القدرة على الإستماع إلى أهل التخصص دون أن يتحول الإستماع إلى مجرد إجراء شكلى.

إن المؤسسة التى تريد زيادة إنتاجها لا يمكن أن تتعامل مع التخصص باعتباره تفصيلاً ثانوياً. فكل ساعة عمل ضائعة بسبب قرار غير مناسب لها تكلفة. وكل مشروع يتأخر بسبب سوء الفهم الفنى له تكلفة. وكل موظف كفء يفقد حماسه له تكلفة. وكل قرار لا يستند إلى معرفة حقيقية قد يدفع ثمنه الجميع.

ولهذا فإن إصلاح المؤسسات يبدأ أحياناً من سؤال بسيط لكنه شديد الأهمية. هل الشخص الموجود فى هذا المكان هو فعلاً الشخص المناسب له؟

السؤال لا يستهدف شخصاً بعينه. ولا يتعلق بتصفية حسابات. ولا ينبغى أن يتحول إلى وسيلة للنيل من أحد. إنه سؤال مؤسسى يجب أن يطرح على كل إدارة تبحث عن التطوير.

ما تخصص المسؤول؟ وما خبرته؟ وما علاقته بطبيعة النشاط؟ وهل تلقى التأهيل اللازم؟ وهل يستطيع فهم المشكلات الأساسية للمؤسسة؟ وهل يستعين بأهل الخبرة عندما يحتاج إليهم؟ وهل يملك القدرة الإدارية التي تتناسب مع حجم المسؤولية؟

إذا كانت الإجابة واضحة ومطمئنة. فالمؤسسة على طريق صحيح.

أما إذا أصبحت الإجابات تعتمد على الألقاب والإنطباعات والعلاقات الشخصية بدلاً من المؤهلات والخبرة والكفاءة. فإن المؤسسة تكون أمام خطر لا يظهر فى يوم واحد. لكنه يتراكم مع الوقت.

إن إحترام التخصص ليس ترفاً إدارياً. إنه إحترام للعلم. وإحترام للخبرة. وإحترام للمال العام والموارد. وإحترام لوقت العاملين. وإحترام لحق المجتمع فى أن يحصل على أفضل أداء ممكن من مؤسساته.

ليست القضية أن يكون كل قائد متخصصاً فى كل شيء. فهذا مستحيل. القضية أن يكون لكل مؤسسة قائد يمتلك الحد الأدنى الضرورى لفهم طبيعة عملها. وأن يحيط نفسه بالمتخصصين الحقيقيين. وأن يعرف كيف يحول المعرفة إلى قرار. وأن يضع الكفاءة فوق المظاهر. والخبرة فوق الألقاب. والمصلحة العامة فوق الإعتبارات الشخصية.

فحين يوضع الإنسان المناسب فى المكان المناسب. لا يستفيد الإنسان وحده. تستفيد المؤسسة كلها. وحين يحترم القرار التخصص. يتحسن العمل. وترتفع الجودة. ويزداد الإنتاج. وتصبح الموارد أكثر كفاءة.

أما حين يصبح المنصب منفصلاً عن المعرفة. فقد تبقى المؤسسة واقفة فى مكانها فترة من الزمن. لكنها تدفع فى الخفاء ثمناً باهظاً من كفاءتها وإنتاجها وقدرتها على التطور.

إن بناء مؤسسات قوية لا يبدأ بكثرة المناصب. وإنما يبدأ باحترام الإنسان الكفء. ووضع كل صاحب تخصص في المجال الذى يستطيع أن يقدم فيه أفضل ما لديه.

فهناك فرق كبير بين من يجلس على مقعد المسؤولية. ومن يمتلك فعلاً مقومات حمل مسؤولية هذا المقعد.
تعليقات