شجرة تحرس السؤال
بقلم الأديبة نور خالد أبو عمرلم يكن أولُ ما خُلِق في الأرضِ حجراً، ولا ماءً، ولا شجرةً تمدُّ أصابعها نحو الضوء، بل كان فراغاً صغيراً، فراغاً لا يقع بين مكانين، بل بين معنى ومعناه، تركته الخليقةُ في قلب العالم كما تُتركُ نافذةٌ في جدارٍ مكتمل، وكما يُتركُ صمتٌ قصيرٌ بين نغمتين كي لا يختنق اللحنُ من اكتماله. ومنذ ذلك الحين، والأشياءُ تبحث عنه، لكن أحداً لم يكن يعرف أنه يبحث عنه.
النهرُ كان يظنُّ أنه يجري نحو البحر، والغيومُ كانت تظنُّ أنها تمضي نحو الهطول، والطيورُ كانت تصدقُ أن الهجرةَ شأنُ الفصول، غير أن شيئاً أبعد من البحر، وأقدم من المطر، وأعمق من المواسم، كان يشدُّها من داخلها كما تشدُّ الذكرى اسماً نسي صاحبُه أنه يعرفه. حتى الريح، تلك التي وُلدت من ارتباك الجهات، كانت تركض منذ زمنٍ لا تذكر بدايته، تعبر السهول، وتصعد الجبال، وتسقط في الوديان، ثم تنهض من جديد، وكان يخيَّل لها دائماً أن المعنى يقفُ خلف الأفق التالي، ولهذا لم تستقر، كلما وصلت، غادرت، وكلما اقتربت، ابتعدت، كأن الوصولَ مرضٌ تخشى الإصابةَ به.
وفي صباحٍ نسيَ الضبابُ فيه أن يغادر مبكراً، وصلت الريحُ إلى براحٍ لم تره من قبل، لم يكن مختلفاً في ملامحه: أرضٌ تمتد، وسماءٌ تتسع، وضوءٌ يتوزع على الأشياء بالتساوي، لكن المكانَ كان يملكُ سراً غامضاً، شيئاً لا يُرى، ولا يُسمع، ولا يمكن الإشارةُ إليه، ومع ذلك كان حاضراً أكثر من الجبال. توقفت الريح، ولأول مرة شعرت أن خطواتها لا ترغبُ في الرحيل، كان البراحُ يبدو كأنه لا ينتهي، لا لأن حدوده بعيدة، بل لأنه كان يتسع كلما نظرت إليه، وكأن الاتساعَ نفسه يتنفس.
وهناك، عند الحافة الفاصلة بين ظلٍّ طويل وشهقةِ مدى، كانت تقف شجرة، وحيدة، لكن وحدتها لم تكن عزلة، بل اكتمالاً، كأنها لا تقفُ منفصلةً عن الأشياء، بل تقفُ في مركز علاقتها الخفية ببعضها. اقتربت الريح، دارت حولها، ثم عادت، ثم دارت مرةً أخرى، كانت تنتظر أن ترى ما جعل المكان مختلفاً، لكن الشجرةَ لم تفعل شيئاً، لم تتكلم، لم تتحرك، ولم تحاول حتى لفت الانتباه إليها، ومع ذلك كان كلُّ شيءٍ ينظر نحوها بطريقةٍ ما، الأعشابُ كانت تميلُ في اتجاهها، الظلالُ كانت تطولُ نحوها، حتى الضوءُ بدا كأنه يتريث قليلاً فوق أغصانها قبل أن يتابع طريقه.
همست الريح: "عمَّ تنتظرين؟" لم يجب أحد، غير أن ورقةً ارتجفت ثم هدأت، فسألت من جديد: "هل تنتظرين مطراً؟" في تلك اللحظة مرت سحابةٌ فوقها، لكنها لم تمطر، وإنما أبطأت سيرها، كأن سؤال الريح أصابها هي. رحلت الريح بعد ذلك، ولم تفهم، غير أن الشجرة بقيت معها، كلما عبرت مكاناً تذكرتها، وكلما صادفت شيئاً يبحث عن شيء، عادت صورتها إلى ذهنها.
رأت نهراً عجوزاً يشقُّ الصخورَ بصبر القرون، فسألته: "إلى أين تمضي؟" فلم يجب، إنما أسرع. ورأت غيمةً ثقيلةً بالماء، فسألتها: "ما الذي يشدكِ إلى الأرض؟" فانهمرت مطراً، كأن جوابها الوحيد كان السقوط. ورأت نجمةً وحيدة في أقصى السماء، فكادت تسألها، لكن النجمة اختفت، كأن بعض الأجوبة لا تبقى طويلاً في مكانٍ واحد.
وفي رحلةٍ امتدت أعواماً، اكتشفت الريح أمراً غريباً: كلُّ شيءٍ كان يركض، كلُّ شيءٍ كان يسافر، كلُّ شيءٍ كان يرحل من هيئةٍ إلى هيئة، الماءُ إلى غيمة، والغيمةُ إلى مطر، والمطرُ إلى نهر، حتى الجبالُ نفسها كانت ترتحل ببطءٍ لا تراه العيون، وحدها تلك الشجرة بدت كأنها لا تذهب إلى شيء، ومع ذلك، كانت الأشياء كلها تذهب إليها.
حين عادت الريح بعد سنوات، بقيت بعيدةً هذه المرة، أرادت أن ترى ما لم تره في الزيارة الأولى، فجلست على كتفِ تلٍّ قريب تراقب، وجاءت الدهشة، مرت طيورٌ مهاجرة فحطت عندها، ومرت غيومٌ متفرقة فتجمعت فوقها، وجاء عابرون من طرقٍ مختلفة فجلسوا في ظلها، لم يكونوا يعرفون بعضهم، لكنهم كانوا يغادرون جميعاً بالملامح نفسها، ملامحُ من وجد شيئاً لم يكن يبحث عنه.
وهنا بدأت الريح تفهم، ليس لأن حقيقةً ظهرت، بل لأن وهماً قديماً انكسر، كانت تظن أن الأشياء تأتي إلى ما تحتاجه، لكنها اكتشفت أنها تأتي إلى ما يكشفها لنفسها، فالطائرُ لا يقصد الشجرة، بل يقصد الطيران الذي يتذكره فوق أغصانها، والغيمةُ لا تقصد الظل، بل تقصد المطر النائم في داخلها، والعابرُ لا يقصد المكان، بل يقصد جزءاً ضائعاً من روحه.
هناك فقط رأت الريح ما لم تره من قبل، كان حول الشجرة شيءٌ لا يُرى، فراغ، لكنه ليس فارغاً، اتساع، لكنه ليس مساحة، صمت، لكنه ليس غياباً للصوت، كان هو نفسه ذلك الفراغ القديم الذي خُلق قبل كل شيء، الفراغ الذي هاجرت نحوه الأشياء منذ البداية. وفجأةً أدركت الريح حقيقةً أربكتها، لم يكن الفراغ عند الشجرة، بل كانت الشجرة تقف عند الفراغ، تحرسه، وتنمو حوله، مثل دائرةٍ ترسمها المياه حول حجرٍ غارق، ولهذا لم تكن تبحث، لأن ما يبحث عنه الآخرون كان يمرُّ من خلالها.
وفي إحدى الليالي، جاء القمر منخفضاً على غير عادته، حتى بدا كأنه نسي شيئاً في الأرض فعاد يبحث عنه، واقتربت سحابةٌ صغيرة من الشجرة، لم تكن تمطر، ولم تكن عابرة، بدت كأنها تحمل سؤالاً ثقيلاً، وبقيت فوق الأغصان طويلاً، طويلاً حتى خُيل للريح أن الزمن توقف ليستمع، ثم بدأت السحابة تتلاشى ببطء، دون مطر، دون برق، دون وداع، فقط تلاشت، كما تتلاشى فكرةٌ حين تجد ما كانت تبحث عنه.
وعندما أقبل الفجر، لم يكن أحد يعرف: هل رحلت السحابة؟ أم أنها صارت جزءاً من ذلك الاتساع الخفي الذي يحيط بالشجرة؟ ومنذ تلك الليلة حدث أمرٌ غريب، كلما مرت الريح بالمكان، شعرت أن الشجرة أصغر مما تتذكرها، ثم اكتشفت أن الأمر معكوس، لم تكن الشجرة تصغر، بل كان البراح يكبر، يوماً بعد يوم، وعاماً بعد عام، حتى بدا كأن الأرض كلها تنمو انطلاقاً من تلك النقطة، كأن الجهات الأربع ليست إلا جذوراً طويلةً لشجرةٍ لا يراها أحد كاملة.
وعندها فهمت الريح آخر ما تستطيع فهمه، وتوقفت قبل أن تفسد المعنى بالمزيد من الفهم، فالحقائق الكبرى، كما أدركت متأخرة، لا تُمسَك، يكفي الاقتراب منها، ومنذ ذلك الحين لم تعد تسأل الشجرة شيئاً، كانت تمرُّ بها فقط، وتكمل رحلتها، وفي كل مرة كانت تبتعد، يخيَّل إليها أن الأشجار والظلال والسحب لا تتسابق نحو الشجرة نفسها، بل نحو ذلك الفراغ القديم الذي وُلد قبلها، الفراغ الذي لا ينقصه شيء، ومع ذلك يملأ كل شيء.
أما الشجرة فبقيت هناك، عند الحافة الفاصلة بين ركض الريح وشهقة المدى، هادئةً كما كانت دائماً، وكأنها لا تحرسُ المكان، بل تحرسُ سؤالاً قديماً جداً، سؤالاً ما تزال الأرضُ والسماءُ والريحُ تحاول أن تتذكر كيف بدأ.
