حين نتعلم الحب في الطين
بقلم :دكتور.رحمه فوده
الحب ليس لونًا ورديًا ولا أحمر، كما اعتدنا أن نراه في الصور والحكايات. الحب نكهة لها مذاقات كثيرة؛ منها ما يوجع، ومنها ما يدفعنا إلى الطريق، ومنها ما يتوهج حتى نظن أن القلب صار شمسًا.
وربما كان عدم ثباته جزءًا من جماله؛ فهو لا يمشي دائمًا في خط مستقيم، ولا يمنحنا المعنى نفسه في كل مرة. يشبه البحر؛ مرة يقترب منا حتى نظن أنه سيحتضن الشاطئ، ومرة يبتعد وكأنه يترك لنا مساحة لنبحث عن أنفسنا، ومرة يعلو حتى يخيفنا، ومرة يهدأ حتى نسمع أصواتًا في داخلنا لم نكن ننتبه إليها.
نحن أحيانًا نريد الحب هادئًا دائمًا، واضحًا دائمًا، ومطمئنًا دائمًا. نريده بلا اختلاف، ولا خوف، ولا مسافات، ولا لحظات ارتباك. لكن ربما ننسى أن الإنسان نفسه ليس ثابتًا؛ نحن نتغير، نتعلم، نخطئ، نراجع أنفسنا، ونكتشف كل يوم جانبًا جديدًا من أرواحنا.
ولهذا ربما لا يكون الحب الحقيقي هو الذي لا يتغير، بل الذي يجعلنا أكثر قدرة على فهم التغير دون أن نفقد إنسانيتنا.
نحن لا نتعلم الحب في السماء، بل في الطين.
هنا، في حياتنا اليومية، حيث نتعثر ونخطئ ونفقد ونشتاق ونغفر، نتعلم شيئًا فشيئًا كيف نحب دون أن نمتلك، وكيف نقترب دون أن نلغي المسافة، وكيف نختلف دون أن يتحول الاختلاف إلى قسوة، وكيف نغفر دون أن ننكر ما حدث.
نتعلم أن الحب ليس أن نجد إنسانًا كاملًا، ولا أن نكون نحن كاملين. ربما هو أن نرى نقصنا ونقص الآخرين، ثم نختار ألا نحول هذا النقص إلى سلاح.
وفي الطريق، قد نكتشف أن بعض العلاقات لم تأتِ لتبقى، وإنما جاءت لتعلمنا شيئًا عن أنفسنا. بعضها يترك أثرًا جميلًا، وبعضها يترك جرحًا، وبعضها يترك سؤالًا طويلًا لا نجد إجابته إلا بعد سنوات.
ومع ذلك، حتى الألم قد يحمل درسًا لا نراه في بدايته.
فكم من قلب ظن أن انكساره نهايته، ثم اكتشف أن ما انكسر فيه كان وهمًا، لا روحه. وكم من إنسان ظن أن فقده أخذ منه الحياة، ثم اكتشف أن الحياة كانت تدفعه إلى طريق لم يكن ليمشي فيه لو ظل كل شيء كما كان.
لعلنا لم نُخلق لنكون ملائكة، بل بشرًا يتعلمون.
نتعلم في كل مرة نختار فيها الرحمة بدل القسوة، والقبول بدل الحكم، والصدق بدل التظاهر، والحب بدل الخوف.
نتعلم أن نمد أيدينا دون أن نفرضها، وأن نعطي دون أن نحول العطاء إلى دين، وأن نحب دون أن نجعل الآخر مسؤولًا عن اكتمالنا.
وربما هنا يكمن أجمل ما في الحب؛ أنه لا يرفعنا من الطين لأنه يبعدنا عن إنسانيتنا، بل لأنه يعلمنا كيف نصنع من هذا الطين شيئًا أكثر رحمة ونورًا.
ففي كل مرة نختار فيها أن نكون أحنّ، وأصدق، وأقل حكمًا على الآخرين، نقترب خطوة أخرى من السماء.
وربما لم تكن السماء بعيدة عنا يومًا.
ربما كانت تبدأ من الطريقة التي نحب بها بعضنا بعضًا هنا، على هذه الأرض.
