الحب سلطانٌ فوق إرادة القلب
بقلم: المهندس. يـاسـر أبو الغـيط
ليس كل ما يسكن القلب يأتيه بإرادته. فبعض المشاعر تشبه المطر. تهبط على الروح من سماء لا نراها. وتترك فى داخلنا شيئاً لا تستطيع الأيام أن تمحوه. وقد يظن الإنسان أنه يعرف قلبه. وأنه قادر على أن يأمره بالإقتراب أو الإبتعاد. ثم تأتى لحظة واحدة يكتشف فيها أن للقلب لغة أخرى. وأن للحب قوانين لا تكتبها العقول.
الحب لا يبدأ دائماً بلقاء كبير. أحياناً يولد من تفصيلة صغيرة لا ينتبه إليها أحد. نظرة تستقر فى الذاكرة. وإبتسامة تمر سريعاً ثم تبقى طويلاً. وصوت يختلف عن بقية الأصوات لأن القلب قرر أن يمنحه مكاناً خاصاً. ومن تلك اللحظة تبدأ الحكاية. لا بضجيج. وإنما بذلك الإرتباك الجميل الذى يجعل الإنسان أكثر إنتباهاً لكل ما يخص من أحب.
العاشق لا يرى العالم كما كان يراه من قبل. الشوارع نفسها تبدو أكثر دفئاً. والسماء أكثر إتساعاً. والأغنيات القديمة تستعيد معانيها. وحتى الصمت يصبح له صوت. كأن الحب لا يضيف إنساناً إلى حياتنا فقط. وإنما يعيد ترتيب الأشياء من حولنا. فيمنح التفاصيل الصغيرة قيمة لم تكن لها من قبل.
وللحب قدرة عجيبة على أن يجعل الغياب حضوراً آخر. حين يغيب من نحب. لا يختفى تماماً. يبقى فى الأماكن التى جمعَتنا به. فى المقعد الذى جلس عليه. فى الطريق الذى مشيناه معاً. فى رائحة عطر مرت ذات مساء. وفى كلمة عابرة قالها ثم نسيها. بينما إحتفظ بها القلب كما يحتفظ الإنسان برسالة لا يريد أن يفقدها.
والعاشق الحقيقى لا يحتاج إلى كثرة الكلام ليعرف أنه محبوب. يكفيه أن يشعر بأن هناك قلباً ينتبه لغيابه. ويفرح بوجوده. ويعرف تغير صوته قبل أن يسأله عن حزنه. فالحب العميق لا يقاس بعدد الكلمات. وإنما بقدرة إنسان على أن يشعر بإنسان آخر من وراء الصمت.
وما أعجب القلب حين يحب. يستطيع الإنسان أن يقنع نفسه بألف سبب للإبتعاد. ثم تكفيه إبتسامة واحدة ليكتشف أن كل الأسباب كانت أضعف من شعوره. يستطيع أن يقول لنفسه إن الأمر إنتهى. ثم يسمع إسماً يشبه إسم من يحب. فيتغير شيء فى داخله دون أن يشعر. كأن القلب يحتفظ بمفاتيح خاصة لا يملك العقل حق الوصول إليها.
الحب ليس أن تمتلك من تحب. وإنما أن تجد فى قربه وطناً من الطمأنينة. دون أن تحاول أن تمتلك حريته. وليس أن تخاف عليه من العالم. وإنما أن تكون أنت المكان الذى يشعر فيه بالأمان من العالم. وليس أن تطلب منه أن يكون كاملاً. وإنما أن تعرف نقائصه. وتدرك إنسانيته. ثم تظل قادراً على رؤية الجمال الذى جعلك تحبه.
وأجمل العشاق ليسوا أولئك الذين يتحدثون عن الحب كثيراً. وإنما أولئك الذين يمارسونه فى التفاصيل. فى سؤال بسيط عن التعب. فى إنتظار طويل لا يشكو منه صاحبه. فى تنازل صغير لا يعرف به أحد. فى خوف صادق على قلب الحبيب. فى يد تمتد وقت الإنكسار دون أن تطلب مقابلاً. فالحب حين يتحول إلى فعل يصبح أصدق من كل القصائد.
وقد يمر الإنسان فى حياته بأشخاص كثيرين. لكنه لا يتوقف أمام الجميع. هناك شخص واحد قد يمر به مروراً عابراً. ثم يترك فى روحه أثراً عميقاً. لا يعرف لماذا هو بالذات. ولا لماذا إختلف حضوره عن الآخرين. وربما كان سر الحب كله فى هذه المفارقة الغامضة. أن يلتقى الإنسان بمن لم يبحث عنه. فيكتشف أنه كان ينتظره دون أن يعرف.
والقلب حين يجد من يشبهه لا يحتاج إلى كثير من الشرح. يشعر أن الحديث سهل. وأن الصمت ليس ثقيلاً. وأن النظرة تصل قبل الكلام. يشعر الإنسان أنه ليس مضطراً إلى إرتداء قناع. ولا إلى إختيار كلماته بحذر. لأنه أمام شخص يستطيع أن يرى ما وراء الكلمات.
لكن الحب الجميل لا يعنى أن الطريق سيكون خالياً من الخلاف. فحتى القلوب المتحابة تختلف. لكنها تعرف كيف تعود. تعرف أن بعض المعارك لا تستحق خسارة من نحب. وأن الإعتذار ليس إنكساراً. وأن التسامح ليس ضعفاً. فالقلوب الناضجة لا تبحث دائماً عن الإنتصار. بل تبحث عن إستمرار المودة.
ولذلك لا تجعلوا الحب إمتحاناً دائماً لمن تحبون. لا تضعوا القلوب فى إختبارات لا تنتهى. ولا تجعلوا الغيرة ميزاناً للمحبة. ولا تحولوا الخوف إلى قيود. الحب الذى يحتاج إلى سجن كى يبقى ليس حباً كاملاً. أما الحب الذى يمنح الطمأنينة. ويترك مساحة للروح كى تتنفس. فهو الحب الذى يستطيع أن يعبر السنوات دون أن يفقد جماله.
يا من أحببتم. لا تخجلوا من رقة قلوبكم. فالزمن قد يدفع الإنسان إلى القسوة. لكنه لا يستطيع أن يجعل القلب الجميل قاسياً إلا إذا سمح له بذلك. إحتفظوا بقدرتكم على الدهشة. إحتفظوا بفرحتكم حين ترون من تحبون. إحتفظوا بتلك الرجفة الخفية التى تعلن أن فى القلب مكاناً ما زال حياً.
فالحب ليس مجرد شخص نحبه. إنه حالة كاملة من الوجود. هو أن تستيقظ وفى قلبك سبب للإبتسام. أن يكون للغد معنى مختلف لأن شخصاً ما سيكون فيه. أن تجد فى آخر النهار قلباً تستطيع أن تضع عنده تعبك دون شرح طويل. وأن تشعر. وسط إتساع العالم. بأن هناك إنساناً واحداً على الأقل يجعل هذا العالم أقل وحشة.
وربما أجمل ما فى الحب أنه لا يسأل القلب لماذا إختار. فالقلب لا يقدم دائماً أسباباً منطقية. إنه يعرف أشياء لا تستطيع اللغة تفسيرها. قد يختار وجهاً دون غيره. وصوتاً دون غيره. وروحاً دون غيرها. ثم يظل وفياً لإختياره. كأن فى أعماقه بوصلة سرية تشير إلى جهة واحدة.
وحين يصل الإنسان إلى هذه الحقيقة. يدرك أن الحب ليس معركة بين القلب والعقل. إنما هو لحظة يتعلم فيها العقل أن يصغى إلى القلب. ويتعلم القلب أن يحترم العقل. فإذا إجتمعا. صار الحب أكثر نضجاً. وأكثر قدرة على البقاء. وأكثر جمالاً من ذلك الإندفاع العابر الذى يشتعل سريعاً ثم ينطفئ.
وقد لا نتذكر كل الأيام التى عشناها. لكننا نتذكر اليوم الذى أحببنا فيه بصدق. نتذكر النظرة الأولى. واللقاء الذى غيّر شيئاً فينا. والكلمة التى بقيت فى الذاكرة. واليد التى جاءت فى الوقت المناسب. وربما ندرك بعد سنوات أن أجمل ما حدث لنا لم يكن أن شخصاً أحببناه دخل حياتنا. وإنما أن الحب نفسه أعاد إلينا إنساناً كنا قد فقدناه فى زحام الأيام.
فإذا أحببتم. أحبوا بقلوب تعرف قيمة ما تشعر به. لا تهربوا من الحب خوفاً من وجعه. ولا تسلموا له أرواحكم دون وعى. أحبوا كما لو أن القلب قصيدة. ولكن لا تنسوا أن القصيدة الجميلة تحتاج إلى معنى. وإجعلوا من محبتكم نوراً لا قيداً. وطمأنينة لا خوفاً. وذكرى جميلة لا جرحاً مفتوحاً.
فبعض القلوب لا نختارها. إنها تختارنا فى اللحظة التى تكون فيها أرواحنا مستعدة لأن تعرف معنى آخر للحياة. وحين يحدث ذلك. نفهم أن أجمل الأشياء قد تأتى إلينا دون موعد. وأن القلب. مهما حاول الإنسان أن يقوده. يظل يعرف طريقه إلى من أحب.
