📁 آخر الأخبار

حين لا نريد النجاة لا تجادل قلبك

 حين لا نريد النجاة


بقلم :دكتور. رحمه فوده
 

لا تجادل قلبك طويلًا، ولا تقف أمام الحب وفي يدك دفتر حسابات؛ تحاول أن تعرف متى بدأ، ولماذا بدأ، وإلى أين سيأخذك. فبعض الأشياء حين تأتي، لا تستأذن العقل أولًا.

الحب احتلال من نوع غريب؛ لا يقتحم الأبواب، بل يجد بابًا مفتوحًا في الداخل، ثم يدخل منه بهدوء، حتى نكتشف أننا لم نعد كما كنا.

وبعد الاحتلال تبدأ المفاوضات.

مرة يصعد بنا الحب حتى نلامس السماء، ومرة يهبط بنا إلى أعمق نقطة في أرواحنا. يتغير مثل موج البحر؛ لا يثبت بين لحظة وأخرى. عواصف، وهدوء، واقتراب، وابتعاد، وطقس داخلي لا تستطيع أن تتنبأ به حتى وأنت واقف في المكان نفسه.

ولعل هذا التغير ليس عيبًا في الحب، بل بعض حقيقته.

فنحن نحب ونحن بشر، والبشر لا يعيشون في حالة واحدة. قد يمنحنا الحب معنى يجعلنا أكثر اتساعًا، ثم يأخذ منا شيئًا كنا نظنه ثابتًا. قد يجعل دموعنا تسقط على الأرض، ثم تنبت من تلك الأرض زهورًا لا نعرف كيف خرجت من وجعنا.

هناك مشاعر لا نفهمها إلا بعد أن نعبرها.

ولا كمال في العشق.

ومن ادعى أنه امتلك كمال العاشقين، فربما لم يعرف العشق بعد؛ لأن العشق الحقيقي لا يترك صاحبه كما كان. يهز يقينه، ويكشف ضعفه، ويضعه أمام نفسه بلا أقنعة.

بين العقل والجنون.

بين اليقين والحيرة.

بين النجاة والهلاك.

هكذا يمضي العاشق أحيانًا، لا لأنه فقد عقله تمامًا، بل لأن بعض المشاعر أوسع من أن يحكمها العقل وحده.

اسألوا قيسًا، واسألوا عنترة، وابحثوا في حكايات العاشقين عن أولئك الذين مضوا وراء قلوبهم حين كان العقل يقول لهم: عودوا.

فالحب لا يكون دائمًا الطريق الأكثر أمانًا.

وقد يكون مهلكًا ونجاة في الوقت نفسه.

يهدم فينا شيئًا، ثم يبني مكانه شيئًا آخر. يأخذ منا صورة قديمة لأنفسنا، ويتركنا أمام سؤال لم نكن مستعدين له: من نحن حين نحب حقًا؟

وربما عظمته في هذا التناقض.

أن نشعر أننا غارقون، ثم نكتشف أن الماء نفسه كان يحملنا إلى مكان لم نصل إليه ونحن على الشاطئ.

لذلك لا تلُم عاشقًا رفع راياته البيضاء.

لقد استنفد مفاوضاته.

صار أعزل أمام شعوره، لا يملك إلا أن يعترف بما حدث في داخله.

وقد لا يكون الاستسلام دائمًا هزيمة.

أحيانًا يكون الاستسلام هو اللحظة التي يتوقف فيها الإنسان عن مقاومة معنى أدركه قلبه، وإن عجز عقله عن تفسيره.

فبعض العشاق لا يغرقون لأنهم لا يعرفون طريق العودة.

بل لأنهم، للمرة الأولى، وجدوا في هذا الغرق شيئًا يشبه الوصول.

غارقون في صمتهم، مستسلمون لموجة لا يريدون النجاة منها.

فبعض الغرق لا نغرق فيه لننجو.

بل نغرق…

لأننا للمرة الأولى،

لا نريد أن نعود إلى الشاطئ.

تعليقات