لماذا أصبح الإعتذار أصعب من الخصام
بقلم: المهندس. يـاسـر أبو الغـيط
هناك خلافات تبدأ بكلمة. ثم تكبر بسبب كلمة أخرى. وبعدها يدخل الصمت بين شخصين كانا بالأمس يتحدثان بلا حساب. يمر الوقت. ويهدأ الغضب. وتصبح المشكلة الأصلية أصغر من أن تستحق كل هذا البعد. لكن أحداً لا يخطو الخطوة الأولى. كل طرف ينتظر الآخر.
وقد يعرف الاثنان أن الصلح ممكن. وقد يشتاق كل منهما إلى عودة العلاقة كما كانت. لكن هناك شيئاً يقف بينهما. ليس الكراهية دائماً. وليس إنعدام المحبة. وإنما ذلك الحاجز الخفى الذى نسميه أحياناً كبرياء.
الغريب أن الإنسان قد يتحمل خصاماً طويلاً بسبب عجزه عن قول كلمة قصيرة. آسف. كلمة بسيطة فى عدد حروفها. لكنها ثقيلة جداً على بعض النفوس.
فالإعتذار فى مفهوم الإنسان الناضج ليس إنكساراً. وليس هزيمة أمام الآخر. وليس تنازلاً عن الكرامة. الإعتذار إعتراف بالمسؤولية. وهو واحد من أكثر أشكال القوة الإنسانية صدقاً.
لكن المشكلة أن بعض الناس تربوا على تصور خاطئ للقوة. يظنون أن القوى هو الذى لا يعترف بخطئه. وأن التراجع ضعف. وأن الإعتذار يمنح الطرف الآخر إنتصاراً. وأن الإعتراف بالخطأ يقلل من قيمة صاحبه.
وهكذا يتحول الخلاف البسيط إلى معركة إثبات. من المخطئ؟ من يبدأ؟ من يتصل أولاً؟ من يعتذر؟ وكأن العلاقة الإنسانية أصبحت مباراة لا بد أن يكون فيها فائز وخاسر.
لكن فى الحقيقة قد يخسر الطرفان.
هناك علاقات لم تنته لأن الحب إختفى. وإنما إنتهت لأن أحداً لم يستطع أن يضع كبرياءه جانباً للحظة واحدة. وقد تمر سنوات ثم يكتشف الإنسان أن المشكلة التى خسر بسببها شخصاً عزيزاً لم تكن تستحق كل ذلك.
وهنا يظهر وجه مؤلم من وجوه الخصام. أن الإنسان لا يكتشف قيمة بعض العلاقات كاملة إلا بعد أن يفقدها.
والإعتذار لا يعنى دائماً أن الإنسان هو المخطئ وحده. أحياناً يكون الإعتذار عن الأسلوب. أو عن كلمة جارحة. أو عن قسوة لم تكن ضرورية. وقد يعتذر الإنسان لأنه أدرك أن تصرفه ترك أثراً سيئاً حتى لو كان لديه تفسير لما فعله.
هذه نقطة تحتاج إلى فهم.
ليس كل إعتذار حكماً قضائياً على صاحبه. قد تقول لشخص. أنا آسف لأننى جرحتك. دون أن تقول إن كل ما فعلته كان خطأ. وقد تقول. لم أقصد أن أؤلمك. لكننى أدرك الآن أن كلامى كان قاسياً.
هذا النوع من الإعتذار لا يهدم الكرامة. بل يبنى جسراً.
المشكلة أن بعض الناس يريدون إعتذاراً مثالياً. يريدون من الآخر أن يعترف بكل شىء. وأن يقر بأنه المخطئ وحده. وأن يتحمل المسؤولية كاملة. وأن يقدم تفسيراً يوافق رؤيتهم.
وعندما لا يحدث ذلك يستمر الخصام.
وهنا يتحول الإعتذار من وسيلة لإصلاح العلاقة إلى أداة للإنتصار.
والعلاقات لا تعيش بهذه الطريقة.
العلاقة الصحية ليست محكمة دائمة. وليست سجلاً لتسجيل الأخطاء. وليست مكاناً يجمع فيه كل طرف أدلة ضد الآخر حتى يأتى يوم الخصام.
العلاقة الإنسانية مساحة للخطأ والتعلم والتجاوز.
كل إنسان يخطئ. وكل إنسان قد يقول كلمة فى لحظة غضب ثم يندم عليها. وقد يتصرف بطريقة لا تشبه شخصيته الحقيقية. وقد يسيء فهم موقف. وقد يتخذ قراراً تحت ضغط.
والفرق بين إنسان وآخر ليس فى عدد أخطائه فقط. وإنما فى قدرته على مراجعة نفسه.
الشخص الذى لا يخطئ ليس موجوداً. أما الشخص الذى يرفض الإعتراف بخطئه فهو موجود. لكنه يضع علاقاته فى خطر دائم.
فالخطأ يمكن إصلاحه. لكن إنكار الخطأ يجعل إصلاحه أكثر صعوبة.
والأصعب من الخطأ أحياناً هو الإصرار عليه.
قد يعرف الإنسان فى داخله أنه تجاوز. لكنه يستمر فى الدفاع عن نفسه فقط لأنه بدأ النقاش بطريقة معينة. وكلما طال الخصام أصبح الإعتذار أصعب.
لماذا؟
لأن الإنسان لا يعود مطالباً بالإعتذار عن الموقف فقط. بل يشعر أنه مطالب بالتراجع عن كل ما قاله خلال الخصام.
وهنا يدخل العقل فى فخ خطير.
إذا إعتذرت الآن فماذا سيظن الآخرون؟ سيقولون إننى ضعيف. سيقولون إننى كنت مخطئاً. سيستغلون ذلك ضدى مستقبلاً.
هذه المخاوف تجعل الإنسان يتمسك بموقف يعرف فى داخله أنه لم يعد مقتنعاً به.
وهذا نوع من العناد لا علاقة له بالقوة.
إنه خوف من فقدان الصورة التى رسمها الإنسان لنفسه أمام الآخرين.
وقد يكون الإنسان أكثر شجاعة فى الإعتراف بخطئه أمام شخص يحبه من أن يستمر فى خصام لا يريده.
لكننا أحياناً نخلط بين حفظ الكرامة وحفظ الموقف.
الكرامة أن تحترم نفسك. أما التمسك بموقف خاطئ فقط حتى لا يقال إنك تراجعت فليس كرامة. إنه عبء.
والإنسان الحكيم يعرف متى يتمسك بموقفه. ويعرف أيضاً متى يتراجع عنه.
هناك إعتذارات تأتى متأخرة. لكنها تظل أفضل من ألا تأتى أبداً.
قد يمر وقت طويل. وقد تتغير العلاقة. وقد تصبح العودة إلى ما كانت عليه صعبة. لكن الإعتذار الصادق يمكن أن يضع نهاية محترمة للخلاف حتى لو لم يعد كل شىء كما كان.
ليس كل إعتذار يعيد العلاقة. لكن كل إعتذار صادق قد يعيد للإنسان شيئاً من سلامه الداخلى.
وهناك فرق بين الإعتذار الصادق والإعتذار الذى هدفه التخلص من الموقف.
الإعتذار الحقيقى لا يقول فقط. أنا آسف. بل يتضمن فهماً لما حدث.
ماذا فعلت؟ لماذا كان ما فعلته مؤذياً؟ ما الذى يمكن أن أفعله حتى لا أكرر الخطأ؟
هذه الأسئلة تجعل الإعتذار بداية للتغيير وليس مجرد كلمة مؤقتة.
فالإنسان الذى يعتذر ثم يكرر الفعل نفسه عشر مرات لم يتعلم الإعتذار. لقد تعلم فقط كيف يغلق الخلاف.
والعلاقات لا تحتاج إلى كلمات إعتذار متكررة بقدر ما تحتاج إلى سلوك مختلف.
إذا جرحت شخصاً بكلماتك ثم إعتذرت. فإن أفضل إعتذار هو أن تتعلم كيف تتحكم فى كلماتك.
إذا خذلت شخصاً ثم إعتذرت. فإن أفضل إعتذار هو ألا تكرر الخذلان.
إذا أخطأت فى حق شخص ثم طلبت منه الصفح. فإن أفضل دليل على صدقك أن يتغير سلوكك.
وهنا يصبح الإعتذار فعلاً أخلاقياً وليس مجرد تعبير لغوى.
وفى المقابل هناك أشخاص يستخدمون الإعتذار بطريقة خاطئة. يعتذرون فقط حتى يعود كل شىء إلى سابق عهده. ثم يعيدون السلوك نفسه. وهؤلاء يجعلون الطرف الآخر يفقد ثقته فى معنى الإعتذار نفسه.
لذلك يجب ألا يكون الإعتذار وسيلة لشراء التسامح.
التسامح حق للطرف الآخر.
قد تعتذر. وقد يقرر الطرف الآخر أن يحتاج إلى وقت. وقد يسامحك دون أن تعود العلاقة كما كانت. وهذا حقه.
الإعتذار مسؤوليتك. أما رد فعل الآخر فليس ملكك.
وهذه الحقيقة تساعد الإنسان على الإعتذار دون أن يضع شروطاً.
لا تقل. إعتذرت لك. إذن يجب أن تنسى.
ولا تقل. أنا قلت آسف. فلماذا ما زلت غاضباً؟
فالجرح لا يعمل وفق ساعة الإعتذار.
بعض الجروح تحتاج إلى وقت حتى تهدأ.
وهذا ينقلنا إلى الطرف الآخر من المعادلة.
إذا إعتذر لك شخص بصدق. فاسأل نفسك أيضاً. هل أريد إصلاح العلاقة أم أريد معاقبته؟
هناك فرق بين حماية النفس وبين الإستمرار فى العقاب.
قد تحتاج إلى حدود جديدة. وقد تحتاج إلى مسافة. وقد تحتاج إلى وقت حتى تستعيد الثقة. لكن تحويل الإعتذار إلى فرصة لإذلال الآخر لا يصنع علاقة صحية.
التسامح لا يعنى نسيان ما حدث. ولا يعنى السماح بتكرار الأذى.
التسامح الناضج يعنى أن تتخلص من الرغبة فى الإنتقام. وأن تتعامل مع التجربة بوعى. وأن تضع الحدود التى تحميك.
وهناك خصومات لا يكون سبب إستمرارها الخلاف نفسه. بل رواية كل طرف للخلاف.
كل شخص يعيد القصة فى رأسه بطريقة تجعله الضحية الكاملة. ويجعل الآخر المخطئ الكامل.
ثم يبدأ الإنسان فى تذكر كل الأخطاء القديمة.
أنت فعلت كذا منذ سنوات. وأنت قلت كذا فى ذلك اليوم. وأنت لم تفعل كذا عندما كنت أحتاج إليك.
وهكذا يصبح الخلاف الحالى باباً لإخراج أرشيف كامل من الجروح.
وهنا لا يعود الطرفان يناقشان المشكلة التى حدثت. بل يناقشان تاريخ العلاقة كله.
وهذا من أكثر الأمور التى تجعل المصالحة صعبة.
إذا أردت إصلاح علاقة. ناقش المشكلة التى تحتاج إلى إصلاح. لا تستخدم كل ما تعرفه عن الشخص كسلاح ضده.
الإنسان ليس مجموع أخطائه.
كما أن لحظة غضب واحدة لا تختصر تاريخ علاقة كاملة.
ومن أجمل ما يمكن أن يتعلمه الإنسان فى علاقاته أن يفرق بين الشخص والفعل.
قد أرفض ما فعلته. لكننى لا أحتاج إلى كراهيتك.
قد أضع حداً لما حدث. لكننى لا أحتاج إلى إهانتك.
وقد أعتذر عن خطئى دون أن أحتقر نفسى.
هذه القدرة على الفصل بين الكرامة والعناد من علامات النضج.
فالإنسان الناضج لا يخشى أن يقول. كنت مخطئاً.
ولا يرى فى هذه الجملة سقوطاً.
بل يرى فيها إحتراماً للحقيقة.
وأحياناً يكون الإعتذار الأصعب هو الاعتذار للنفس.
أن يعترف الإنسان بأنه سمح للخلاف أن يكبر. وأنه كان يستطيع أن يتحدث ولم يفعل. وأنه إختار الصمت فى وقت كان الحوار فيه ممكناً. وأنه تمسك بكبريائه حتى خسر شيئاً كان يحبه.
هذا الاعتراف مؤلم.
لكنه ضروري.
لأن الإنسان إذا لم يتعلم من خصوماته فسوف يعيدها بأسماء مختلفة مع أشخاص مختلفين.
قد يتغير الأشخاص. لكن الطريقة نفسها تستمر.
غضب. صمت. عناد. إبتعاد. ثم إنتظار. ثم خسارة.
والحل ليس دائماً أن نجد أشخاصاً لا نختلف معهم. فهذا مستحيل.
الحل أن نتعلم كيف نختلف دون أن نهدم كل شىء.
أن نتعلم أن نقول. أنا غاضب. لكننى لا أريد أن أخسرك.
أن نقول. ما حدث آذانى. لكننى مستعد للحوار.
أن نقول. أنا أخطأت. وأريد أن أصلح ما أستطيع إصلاحه.
هذه الجمل لا تقلل من قيمة الإنسان. بل ترفعه.
فالخصام يستطيع أن يفرق بين شخصين فى لحظة. أما الإعتذار فيحتاج إلى شجاعة حتى يعيد فتح الباب.
وربما لهذا أصبح الإعتذار أصعب من الخصام.
لأن الخصام يحتاج إلى غضب. أما الإعتذار فيحتاج إلى شجاعة.
الخصام يسمح للإنسان أن يتمسك بصورته عن نفسه. أما الإعتذار فيجبره على النظر إلى المرآة.
وفى المرآة لا يرى الإنسان دائماً ما يحب أن يراه.
لكنه يرى الحقيقة.
والحقيقة أحياناً مؤلمة. لكنها أكثر رحمة من سنوات طويلة يعيشها الإنسان داخل خصام كان يمكن أن ينتهى بكلمة.
لذلك لا تجعل كبرياء لحظة يحكم علاقة كاملة.
ولا تؤجل كلمة تعرف أنك تحتاج إلى قولها.
إذا أخطأت. إعتذر.
إذا جُرحت. تحدث.
إذا إحتجت إلى وقت. ٱطلبه.
إذا لم تعد قادراً على الإستمرار. قل ذلك بوضوح.
أما أن تختفى خلف الصمت وتنتظر أن يفهم الآخر ما بداخلك. فهذه ليست دائماً قوة. وقد تكون مجرد طريقة هادئة لخسارة من نحب.
الحياة لا تمنحنا دائماً فرصة ثانية.
وبعض الأشخاص الذين نخاصمهم اليوم قد لا يكونون موجودين غداً حتى نقول لهم ما عجزنا عن قوله.
فلا تجعل كلمة ( آسف ) تصل بعد فوات الوقت.
فبعض الكلمات إذا قيلت فى موعدها تصلح ما أفسدته لحظة غضب.
وبعضها إذا تأخرت. لا تستطيع إلا أن تشرح مقدار الندم.
