فقدان الشغف وسط ضغوط الحياة
بقلم: المهندس. يـاسـر أبو الغـيط
هناك لحظة لا يعرف الإنسان متى بدأت. لكنه يعرف أنه لم يعد الشخص نفسه. الأشياء التى كانت تفرحه لم تعد تفعل. واللقاءات التى كان ينتظرها أصبحت عادية. والهوايات التى كان يجد فيها راحته أصبحت عبئاً يحتاج إلى جهد حتى يبدأها. وحتى الأشياء التى كان يفعلها بحب أصبحت تحتاج إلى إرادة لا يجدها بسهولة.
ثم يسأل نفسه فى صمت. ماذا حدث لى؟
قد لا يكون قد حدث شىء واحد يمكن الإشارة إليه. فقدان الشغف غالباً لا يأتى من حادثة واحدة. إنه يتسلل ببطء. يبدأ من ضغوط صغيرة تتراكم. ومن مسؤوليات لا تنتهى. ومن أيام متشابهة. ومن محاولات كثيرة لم تثمر كما توقع الإنسان. ومن إحساس داخلى بأنه يبذل كثيراً ولا يحصل على القدر الذى كان ينتظره من الحياة.
وفى البداية قد لا يلاحظ الإنسان هذا التغير. يظنه مجرد إرهاق عابر. يقول لنفسه إنه يحتاج إلى الراحة. ثم تمر الأيام. ويستمر الإرهاق. ويصبح ما كان مؤقتاً حالة مستمرة.
الشغف ليس مجرد حماس عابر تجاه عمل أو هواية. الشغف هو ذلك الشعور الذى يجعل الإنسان يرى معنى فيما يفعله. يجعله يستيقظ ولديه سبب يدفعه إلى الحركة. ويمنحه إحساساً بأن يومه ليس مجرد سلسلة من الواجبات التى يجب الإنتهاء منها.
ولهذا فإن فقدان الشغف لا يعنى دائماً أن الإنسان أصبح كسولاً. وقد لا يعنى أنه فقد قدرته على النجاح. أحياناً يعنى فقط أنه ظل يعطى لفترة طويلة دون أن يستعيد ما يكفى من الطاقة النفسية والإنسانية.
هناك إنسان يعمل كل يوم. وينجز ما عليه. ويؤدى مسؤولياته. ويتحدث مع الناس. ويبتسم فى المناسبات. لكنه من الداخل يشعر بأنه يتحرك بلا رغبة.
هذا الإنسان قد لا يكون فاشلاً. بل ربما يكون ناجحاً فى نظر الآخرين. لكنه لم يعد يشعر بطعم ما ينجزه.
وهنا تكمن المفارقة.
قد يملك الإنسان حياة تبدو مستقرة أمام الآخرين. لكنه يعيش داخلياً فى حالة من الفراغ. لأن الإستقرار الخارجى لا يعنى دائماً الإمتلاء الداخلى.
كثيرون يقضون سنوات طويلة فى مطاردة ما يجب أن يفعلوه. ويهملون السؤال الأهم. ماذا أحب أن أفعل؟
تبدأ المشكلة أحياناً منذ سنوات مبكرة. يتعلم الإنسان أن قيمته مرتبطة بما ينجزه. فيصبح النجاح هدفاً مستمراً. ثم يأتى نجاح آخر. ثم هدف جديد. ثم مسؤولية جديدة. ويظل الإنسان يركض حتى ينسى لماذا بدأ الركض من الأساس.
ومع كثرة المسؤوليات يتحول اليوم إلى جدول مزدحم. عمل. وإلتزامات. ومواعيد. ومشكلات. وإحتياجات الآخرين. ثم يعود الإنسان إلى بيته منهكاً. فلا يبقى لديه وقت لشيء يحبه.
ومع مرور السنوات يصبح غياب الأشياء الجميلة أمراً عادياً.
وهنا يموت الشغف ببطء.
ليس لأن الإنسان لم يعد يحب الأشياء التى أحبها. وإنما لأنه لم يعد يملك الطاقة اللازمة للوصول إليها.
هناك فرق بين أن تفقد حبك لشىء وبين أن تفقد القدرة على الإستمتاع به.
وهذا الفرق بالغ الأهمية.
قد يحب الإنسان القراءة لكنه لا يستطيع التركيز. وقد يحب السفر لكنه لا يجد الطاقة للتخطيط. وقد يحب أصدقاءه لكنه لا يرغب فى اللقاء. وقد يحب الكتابة لكنه يجلس أمام الورقة عاجزاً عن إخراج فكرة واحدة.
فيظن أنه تغير. بينما قد يكون الذى تغير هو مقدار الضغط الذى يحمله. الإنسان لا يعيش بطاقة غير محدودة. لكل نفس قدرة على الإحتمال. ولكل عقل حد معين من التفكير المتواصل. ولكل قلب قدرة محدودة على إستقبال الخيبات.
وعندما تتجاوز الضغوط قدرة الإنسان على الإحتمال يبدأ العقل فى تقليل ما يراه ضرورياً. وقد تكون الأشياء التى تمنح الإنسان المتعة أول ما يتراجع عنه. لأن الإنسان المرهق يفكر غالباً بمنطق البقاء قبل الإستمتاع.
وهكذا تصبح الحياة قائمة على سؤال واحد. ماذا يجب أن أفعل الآن؟
ثم يختفى السؤال الأجمل. ماذا أريد أن أفعل؟ ومن هنا تبدأ حياة الواجبات بلا حياة المعنى.
قد يستمر الإنسان فى العمل سنوات طويلة لأنه يحتاج إلى العمل. وقد يستمر فى تحمل مسؤولياته لأنه يعرف أن هناك من يعتمد عليه. وقد يواصل أداء دوره بكل إخلاص. لكنه فى داخله يشعر أن شيئاً ما إنطفأ.
وهذا لا يعنى بالضرورة أنه يريد الهروب من حياته. ربما يريد فقط أن يشعر بأنه يعيشها.
فالإنسان لا يحتاج إلى حياة خالية من المشكلات حتى يكون سعيداً. لكنه يحتاج إلى مساحة يشعر فيها أن حياته تخصه أيضاً.
يحتاج إلى لحظة لا يكون فيها مطالباً بأداء دور معين. إلى نشاط يفعله لأنه يحبه. إلى حديث لا يحتاج فيه إلى التظاهر بالقوة. إلى وقت لا يلاحقه فيه شعور دائم بأنه متأخر عن شيء ما.
ومن أكثر الأشياء التى تقتل الشغف المقارنة.
عندما ينظر الإنسان بإستمرار إلى حياة الآخرين. ويقارن نجاحه بنجاحهم. ودخله بدخلهم. وشكله بشكلهم. وعدد إنجازاته بإنجازاتهم. فإنه يدخل دون أن يشعر فى سباق لا خط نهاية له.
وقد يحقق الكثير. لكنه لا يرى ما حققه.
لأن عينه أصبحت معلقة بما لدى الآخرين.
المقارنة تجعل الإنسان يشعر أن كل إنجاز ناقص. وكل خطوة بطيئة. وكل نجاح صغير لا يستحق الإحتفال.
وبمرور الوقت يصبح الإنسان عاجزاً عن الشعور بالرضا. ومن الصعب أن ينمو الشغف فى قلب لا يسمح لنفسه بأن يشعر بقيمة ما أنجزه.
كذلك فإن التكرار المستمر يمكن أن يطفئ الحماس. ليس لأن التكرار سيئ فى ذاته. وإنما لأن الإنسان يحتاج إلى قدر من التجديد حتى يشعر بالحركة.
الروتين يمنح الحياة قدراً من الإستقرار. لكنه إذا تحول إلى سجن أصبح مصدراً للإستنزاف.
أن تستيقظ كل يوم بالطريقة نفسها. وتذهب إلى المكان نفسه. وتؤدى المهام نفسها. وتعود إلى البيت بالطريقة نفسها. ثم تكرر الأمر فى اليوم التالى. قد يجعل الأيام تتشابه إلى درجة يفقد معها الإنسان إحساسه بمرور الزمن.
ثم يسأل نفسه بعد سنوات. أين ذهبت الأيام؟ وهنا لا يكون فقدان الشغف مشكلة فى نشاط واحد. بل يصبح شعوراً عاماً تجاه الحياة.
ومن الأسباب أيضاً أن الإنسان قد يظل فى مكان لا يشبهه. يعمل فى مجال لا يجد فيه نفسه. أو يعيش وفق توقعات لم يخترها. أو يستمر فى علاقات تستنزف طاقته. أو يلاحق صورة معينة يريد الآخرون أن يروه عليها.
وفى هذه الحالة يصبح الإنسان مشغولاً طوال الوقت. لكنه لا يشعر بالتقدم.
وهذا من أقسى أنواع التعب. أن تتحرك كثيراً دون أن تشعر أنك تقترب من نفسك.
ولذلك فإن إستعادة الشغف لا تبدأ دائماً بتغيير كبير. قد تبدأ بسؤال صادق. ما الذى كان يجعلنى أشعر بالحياة قبل أن أثقل بكل هذه المسؤوليات؟
ربما كانت هناك هواية قديمة. أو كتاب. أو كتابة. أو رياضة. أو لقاءات بسيطة. أو تعلم شىء جديد. أو حتى وقت هادئ يقضيه الإنسان وحده دون ضجيج.
ليس المطلوب أن يعود الإنسان إلى الماضى كما كان. فالحياة تتغير. والإنسان نفسه يتغير. لكن يمكنه أن يبحث عن المعنى الذى كان موجوداً فى تلك الأشياء.
فربما لم يكن يحب الكتابة فقط. ربما كان يحب التعبير عن نفسه. وربما لم يكن يحب السفر فقط. ربما كان يحب إكتشاف المجهول. وربما لم يكن يحب الجلوس مع أصدقائه فقط. ربما كان يحب الشعور بأنه مفهوم ومقبول.
عندما نفهم المعنى خلف الشغف يصبح من الأسهل أن نبحث عن صور جديدة له.
ومن المهم أيضاً أن يتوقف الإنسان عن إنتظار الحماس حتى يبدأ. وهذه فكرة تخدع كثيرين.
يقول الإنسان لن أبدأ حتى أشعر بالرغبة. ثم ينتظر. ويمر الوقت. ولا تأتى الرغبة.
أحياناً تأتى الرغبة بعد البداية وليس قبلها.
قد تبدأ بالقراءة عشر دقائق. ثم تجد نفسك تريد الإستمرار. وقد تخرج للمشى رغم عدم رغبتك. ثم تعود وقد تغير مزاجك. وقد تكتب فقرة واحدة. ثم تكتشف أن الأفكار بدأت تتدفق.
الحركة قد تصنع الدافع.
ولهذا فإن الخطوات الصغيرة أكثر فاعلية من إنتظار التحول الكبير. لا تحتاج إلى تغيير حياتك كلها فى أسبوع. ولا تحتاج إلى قرار درامى حتى تستعيد نفسك. إبدأ بشىء صغير تستطيع الإستمرار فيه.
خصص وقتاً لشىء تحبه. قلل ما يستنزفك بلا ضرورة. تعلم شيئاً جديداً. تحدث مع شخص ترتاح إليه. غيّر بعض تفاصيل يومك. ٱخرج من المكان المعتاد أحياناً. إقرأ. إكتب. إمش. تأمل ما تريده من المرحلة القادمة.
والأهم من ذلك كله. لا تجعل الراحة جريمة.
هناك أشخاص يشعرون بالذنب إذا جلسوا دون عمل. وكأن الإنسان لا يستحق الراحة إلا بعد أن ينهى كل مسؤولياته.
لكن المسؤوليات لا تنتهى.
إذا إنتظرت حتى تنتهى كل الأشياء حتى ترتاح فلن ترتاح. الراحة ليست مكافأة فقط. إنها جزء من القدرة على الإستمرار.
كما أن الإنسان يحتاج إلى أن يتعلم التفريق بين التعب وفقدان الشغف.
قد يكون ما يشعر به مجرد حاجة إلى النوم والراحة وإعادة ترتيب الأولويات. وقد يكون نتيجة تراكم طويل يحتاج إلى تغيير أعمق.
وإذا إستمر فقدان المتعة والطاقة بصورة شديدة وأصبح يؤثر فى الحياة اليومية لفترة طويلة. فمن الحكمة ألا يتعامل الإنسان معه بإعتباره مجرد كسل. وقد يكون من المناسب أن يتحدث مع مختص يساعده على فهم ما يمر به بصورة أفضل.
طلب المساعدة لا ينتقص من قيمة الإنسان. بل يكشف عن قدر من الوعى يجعله يرفض أن يترك نفسه للإنهاك حتى النهاية.
والشغف لا يعود دائماً بالشكل نفسه الذى كان عليه. وهذا أمر يجب أن نتقبله.
ربما كان شغفك القديم مناسباً لشخص كنت عليه منذ سنوات. أما اليوم فقد تحتاج إلى معنى جديد يناسب الإنسان الذى أصبحت عليه.
لا تبحث دائماً عن النسخة القديمة من نفسك. إبحث عن النسخة الصادقة من نفسك الآن. فقد يكون المطلوب ليس أن تعود إلى ما كنت تحبه. وإنما أن تكتشف ما يمكن أن تحبه من جديد.
الحياة لا تتوقف لأن مرحلة إنتهت. ولا يصبح الإنسان فارغاً لأن شغفاً قديماً خفت صوته. أحياناً يكون فقدان الشغف رسالة لا حكماً نهائياً.
رسالة تقول إن الطريقة التى تعيش بها تحتاج إلى مراجعة. وإن هناك جزءاً منك ظل مؤجلاً طويلاً. وإن الإنسان الذى إهتم بكل شىء حوله ربما حان الوقت لأن يلتفت قليلاً إلى نفسه.
لا تنتظر أن تعود الحياة إليك وحدها.
إقترب منها أنت. إفتح نافذة جديدة فى يومك. إمنح نفسك فرصة للتجربة. لا تطلب من نفسك أن تشعر بالحماس منذ اللحظة الأولى. يكفى أن تبدأ بخطوة صادقة.
فالشغف ليس دائماً ناراً كبيرة تشتعل فجأة. أحياناً يكون مجرد شرارة صغيرة.
لكن الإنسان الذى يحميها من الرياح. ويمنحها الوقت. ويضيف إليها شيئاً من الأمل والعمل. يستطيع أن يراها تكبر من جديد.
وربما تكتشف بعد رحلة طويلة أن المشكلة لم تكن أن الحياة فقدت معناها.
ربما كنت أنت الذى إبتعد عن المعنى الذى يجعلها تستحق أن تعاش.
