📁 آخر الأخبار

 التكبر حين يتحول إلى سلطة

بقلم: المهندس. يـاسـر أبو الغـيط

التكبر ليس ثقة بالنفس. فالواثق يعرف قدره ولا يحتاج إلى إهانة غيره ليؤكدها. أما المتكبر فيحتاج دائماً إلى أن يشعر من حوله بأنهم أقل منه. ولذلك فإن التكبر ليس إرتفاعاً حقيقياً بالإنسان. بل عجز عن رؤية الآخرين على قدم المساواة معه.

وقد يبدو التكبر فى الحياة الإجتماعية مجرد عيب فى السلوك. شخص يتحدث بفوقية. أو يقلل من الآخرين. أو يتعامل مع الناس وفق ما يملكون لا وفق ما يكونون. لكن الأمر يصبح أكثر خطورة عندما يدخل التكبر إلى مكان العمل ويجلس صاحبه على مقعد السلطة. هنا لا يعود التكبر مجرد سلوك مزعج. بل قد يتحول إلى وسيلة لإفساد الإدارة وإهدار حقوق العاملين وتعطيل المصلحة العامة.

أخطر المديرين ليس ذلك الذى يرفع صوته فقط. وإنما ذلك الذى يقتنع أن منصبه يمنحه حقاً مطلقاً فى أن يفعل ما يشاء. يبدأ فى التعامل مع المؤسسة وكأنها ملك شخصى. يختار من يسمع لهم. ويقصى من يخالفه. ويمنح ثقته لمن يوافقه. ويشك فى كل من يناقشه. ومع الوقت تختلط عنده حدود السلطة بحدود الرغبة. فلا يعود يسأل. ماذا يقول النظام؟ وإنما يسأل. ماذا أريد أنا؟

وهنا تقع الكارثة.

المدير ليس مالكاً للمؤسسة. والمنصب ليس تفويضاً مفتوحاً للتصرف وفق الهوى. السلطة الإدارية لها حدود. واللوائح ليست إقتراحات يمكن تطبيقها على البعض وتجاوزها مع البعض الآخر. فإذا أصبح القانون مرناً أمام الأقوياء وصارماً أمام الضعفاء فقد سقط أهم معنى للإدارة. وهو أن الجميع يعملون داخل إطار واحد.

لكن المدير المتكبر لا يرى الأمور بهذه الصورة. فهو يعتبر طاعته دليلاً على الإنضباط. ويعتبر مخالفته دليلاً على التمرد. ولا يفرق بين الموظف الذى يخالف القواعد والموظف الذى يختلف معه فى الرأى. وهذه كارثة فكرية قبل أن تكون إدارية. لأن الإختلاف فى الرأى ليس مخالفة. والنقد المهنى ليس عداء. والإقتراح الأفضل ليس إهانة لصاحب القرار.

بل إن الموظف الذى يختلف مع مديره قد يكون أكثر الناس حرصاً على نجاح العمل. قد يرى خطراً لم يره غيره. وقد يعرف تفصيلاً غاب عن صاحب القرار. وقد يقدم حلاً يوفر وقتاً أو جهداً أو مالاً. لكن المدير الذى يعتبر نفسه فوق النقد يحول هذه القيمة إلى تهمة. فيبدأ فى محاصرة صاحب الرأى بدلاً من مناقشة الرأى نفسه.

وهنا يظهر الوجه الأخطر للإستعلاء الإدارى. معاقبة الفكرة بسبب صاحبها.

قد يُبعد الموظف عن المشاركة. وقد يتم تجاهل خبرته. وقد تراقب أخطاؤه الصغيرة بصورة مبالغ فيها. وقد تُغلق أمامه الأبواب التى كانت مفتوحة لغيره. ليس لأنه خالف القانون. وإنما لأنه لم يصفق للقرار.

وعندما يحدث ذلك أكثر من مرة يفهم الموظفون الرسالة جيداً. لا تتكلم كثيراً. لا تعترض. لا تقدم رأياً قد يزعج أحداً. وافق ثم إنصرف. وهكذا تموت المؤسسة من الداخل بينما تبدو من الخارج هادئة ومنضبطة.

فالهدوء الذى يصنعه الخوف ليس إنضباطاً. إنه صمت.

والمؤسسة التى يخاف فيها الموظف من قول الحقيقة قد تستمر فى العمل. لكنها تفقد أهم عناصر النجاح. المبادرة. والنقد البناء. والخبرة المتراكمة. والشعور بالمسؤولية. يصبح الموظف حريصاً على ألا يخطئ فى حق المدير أكثر من حرصه على ألا يخطئ فى حق العمل.

ومن هنا يمكن أن نفهم لماذا يكون المدير المتكبر خطراً حتى لو كان شديد النشاط وكثير القرارات. فالإدارة ليست بعدد القرارات. وإنما بجودة القرارات وعدالتها وقدرتها على خدمة الهدف الذى أنشئت المؤسسة من أجله.

والمدير الذى يريد أن يثبت أنه صاحب الكلمة الأولى والأخيرة يستهلك جزءاً كبيراً من طاقة المؤسسة فى معركة لا علاقة لها بالعمل. من يقترب منه؟ من يخالفه؟ من قال ماذا؟ من يملك الجرأة على الإعتراض؟ من يستحق ثقته؟ وهكذا يتحول المكان من مؤسسة لها أهداف إلى دائرة مغلقة تدور حول شخص واحد.

والأخطر أن بعض المديرين يخلطون بين الهيبة والتكبر. الهيبة تُبنى بالكفاءة والعدل والإنضباط. أما التكبر فيُبنى بالمسافة والخوف وإشعار الآخرين بالدونية. المدير الذى يحتاج إلى إذلال موظف حتى يثبت أنه مدير لا يملك هيبة حقيقية. هو فقط يستعير من المنصب قوة لا يملكها فى شخصه.

والإدارة العادلة لا تعنى أن الجميع متساوون فى الإختصاص. فهناك مدير وموظف. وهناك مسؤوليات مختلفة. وهناك درجات وظيفية وصلاحيات محددة. لكن إختلاف المواقع لا يبرر إختلاف الكرامة الإنسانية.

يمكن للمدير أن يحاسب موظفاً. لكنه لا يحتاج إلى إهانته. ويمكنه أن يرفض إقتراحاً. لكنه ليس مضطراً إلى السخرية من صاحبه. ويمكنه أن يتخذ قراراً مخالفاً لرأى فريقه. لكنه يستطيع أن يشرح أسبابه دون أن يحول النقاش إلى معركة شخصية.

وهذا هو الفارق بين السلطة الناضجة والسلطة المتعالية.

السلطة الناضجة تعرف حدودها. أما السلطة المتكبرة فتحاول توسيع حدودها بإستمرار. تبدأ بالتدخل فى كل صغيرة وكبيرة. ثم تريد أن تعرف كل رأى. ثم تريد أن تتحكم فى كل علاقة. ثم يصبح المطلوب من الجميع ليس تنفيذ العمل فقط. وإنما إرضاء صاحب السلطة.

وعند هذه النقطة يصبح النفاق الإدارى أكثر فائدة من الكفاءة. وهى اللحظة التى تبدأ فيها المؤسسة فى مكافأة السلوك الخطأ. الشخص الذى يجيد إرضاء المدير يصعد. وصاحب الكفاءة الذى يرفض المجاملة يتراجع. ومن هنا يختل ميزان العمل. لأن الكفاءة تصبح أقل أهمية من القرب.

ولا يقتصر التكبر على المدير. فقد يكون بين الزملاء شخص يرى نفسه أعلى من الآخرين بسبب مؤهل أو خبرة أو علاقة أو مكانة إجتماعية. فيحتقر زميله. أو يتعالى عليه. أو يتعامل مع بعض الأعمال بإعتبارها أقل من مستواه.

وهذا النوع من التكبر يكشف مشكلة أخرى. الإنسان الذى يربط قيمته بموقعه الوظيفى قد يفقد إحساسه بقيمته بمجرد تغير الموقع. لذلك يحاول بإستمرار أن يثبت أنه أعلى من غيره. أما الإنسان الواثق من نفسه فلا يحتاج إلى صناعة طبقات وهمية بينه وبين الآخرين.

وقد يكون أكثر الناس علماً أقلهم تواضعاً. وقد يكون أقلهم حديثاً أكثرهم فهماً. وقد يكون العامل الذى لا يحمل لقباً كبيراً هو الذى يعرف تفاصيل المكان أكثر من الجميع. ولهذا فإن إحترام الخبرة يجب ألا يتحول إلى إحتقار لمن لم يملك الظروف نفسها.

وفى الحياة الإجتماعية لا يختلف الأمر كثيراً. المتكبر يقيس الناس بما يملكون. هذا أعلى لأنه أغنى. وهذا أفضل لأنه صاحب منصب. وهذا يستحق الإحترام لأنه مشهور. بينما يضع آخرين فى مرتبة أقل لأنهم أبسط منه.

لكن هذه المقاييس لا تصنع قيمة الإنسان. فالمال قد يتغير. والمنصب ينتهى. والشهرة تخفت. والظروف تنقلب. وما يبقى فى النهاية هو أثر الإنسان فى نفوس الآخرين.

والإنسان قد يملك الكثير ولا يستطيع أن يجعل شخصاً واحداً يشعر بالأمان فى وجوده. وقد لا يملك إلا القليل لكنه يترك وراءه محبة لا تزول. لذلك فإن أعظم ما يمكن أن يصل إليه الإنسان ليس أن ينظر إليه الآخرون من أسفل. وإنما أن يقف بينهم دون أن يشعر أحد بأنه أقل منه.

والتكبر فى النهاية عزلة متنكرة فى صورة قوة. المتكبر يظن أنه يرفع نفسه فوق الناس. لكنه مع الوقت يضع جداراً بينهم وبينه. قد يحيط به الناس. لكنهم لا يقتربون منه. وقد يبتسمون أمامه. لكنهم لا يفتحون له قلوبهم. وقد ينفذون أوامره. لكنهم لا يمنحونه إحتراماً حقيقياً.

والأخطر أن صاحب السلطة قد لا يعرف هذه الحقيقة إلا بعد أن تنتهى سلطته.

عندها تسقط الحواجز. ويختفى الخوف. ويظهر السؤال الذى كان مؤجلاً. هل كان الناس يحترمون الإنسان؟ أم كانوا يحترمون الكرسى الذى يجلس عليه؟

لهذا فإن التواضع ليس تنازلاً عن المكانة. بل حماية لها. والمدير الذى يعرف قدر نفسه لا يخشى موظفاً أكثر منه خبرة. ولا يخاف من رأى مختلف. ولا يرى الإعتراف بالخطأ هزيمة. لأنه يفهم أن نجاح المؤسسة أكبر من إنتصاره الشخصى.

أما الذى يجعل كل إختلاف معركته. وكل نقد إهانة. وكل رأى آخر تهديداً. فهو لا يحافظ على سلطته. وإنما يحولها إلى سجن له ولمن يعملون معه.

لا يثبت الإنسان قوته عندما يجعل الآخرين يخافونه. بل عندما يستطيع أن يكون قوياً دون أن يظلم. وحازماً دون أن يتكبر. وصاحب قرار دون أن يحتقر أصحاب الآراء المختلفة.

فالمنصب عابر. والسلطة مؤقتة. أما أثر الإنسان فى الناس فقد يبقى سنوات طويلة.

هناك من يخرج من موقعه فينساه الجميع. وهناك من يخرج منه فتظل سيرته حاضرة فى كل مكان ترك فيه أثراً طيباً. الأول إمتلك سلطة. والثانى إمتلك إحتراماً.


والفرق بينهما أن الأول أراد أن يكون أعلى من الناس. أما الثانى فإختار أن يكون جديراً بهم.

تعليقات