التجاهل ليس دائماً حكمة
بقلم: المهندس. يـاسـر أبو الغـيط
هناك فرق شاسع بين الإنسان الذى يعرف متى يتجاوز الأمور الصغيرة. وبين الإنسان الذى يجعل من التجاهل أسلوباً دائماً فى الحياة. الأول يمتلك قدراً من الحكمة يجعله يختار معاركه بعناية. أما الثانى فقد يحوّل الصمت إلى وسيلة للهروب. ويحوّل عدم التدخل إلى فضيلة زائفة. ثم يقنع نفسه بأنه أكثر ذكاءً لأنه لا يتوقف أمام كل كلمة. ولا يهتم بكل موقف. ولا يتدخل فى كل مشكلة. بينما الحقيقة قد تكون أكثر قسوة. فقد لا يكون هذا الإنسان حكيماً كما يتصور. بل قد يكون سلبياً يخشى المواجهة. أو عاجزاً عن إتخاذ القرار. أو راغباً فى الإحتفاظ بمسافة آمنة بعيداً عن مسؤولية الموقف.
نعم. الحياة تحتاج أحياناً إلى التجاهل. هناك كلمات لا تستحق الرد. وهناك مواقف عابرة لا تستحق إستنزاف الأعصاب. وهناك أشخاص لا يستحقون أن تمنحهم مساحة من وقتك أو تفكيرك. وهناك خلافات صغيرة يكون تجاوزها أكثر حكمة من الدخول فى تفاصيلها. الإنسان الناضج لا يمكن أن يعيش مشدود الأعصاب أمام كل تصرف. ولا يمكن أن يجعل كل كلمة معركة. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول التجاهل من قرار واعٍ إلى عادة. ومن وسيلة لحماية السلام النفسى إلى طريقة للهروب من المسؤولية. هنا يصبح التجاهل مرضاً إجتماعياً صامتاً. لأن الإنسان لا يعود يتجاهل ما لا يستحق. وإنما يبدأ فى تجاهل ما يستحق التدخل.
والأخطر أن الإنسان السلبى كثيراً ما يمنح سلبيته إسماً جميلاً. يقول إنه هادئ. وإنه لا يحب المشاكل. وإنه أكبر من الدخول فى المهاترات. وإنه تعود أن يتجاهل. وكل هذه العبارات قد تكون صحيحة فى بعض المواقف. لكنها تصبح خطيرة عندما تستخدم لإخفاء العجز عن إتخاذ موقف. فالهدوء ليس أن ترى الخطأ وتسكت دائماً. والحكمة ليست أن تعرف المشكلة ثم تدير وجهك عنها. وعدم حب المشاكل لا يعنى أن تترك المشكلة تكبر حتى تصبح أزمة. والذكاء ليس أن تعرف كيف تتجاهل. وإنما أن تعرف بدقة ماذا تتجاهل. ومتى تتدخل. وكيف تتدخل.
الإنسان الذى لا يفرق بين التفاهة والخطر قد يصنع بكثرة صمته مشكلات أكبر من المشكلة الأصلية. فقد يرى خلافاً بسيطاً بين أفراد أسرته. فيتجاهله حتى يتراكم. وقد يلاحظ سلوكاً خاطئاً من أحد أبنائه. فيتغاضى عنه بحجة أن الزمن كفيل بإصلاحه. وقد يلاحظ توتراً متزايداً بين أفراد فريق العمل الذى يشرف عليه. فيختار الصمت حتى تتسع الفجوة بينهم. وقد يسمع كلمة غير صحيحة أو يرى تصرفاً يحتاج إلى تصحيح. ثم يقول لنفسه إن الأمر لا يستحق. وبعد فترة يكتشف أن ما لم يكن يستحق الوقوف عنده فى بدايته أصبح يستحق تدخلاً كبيراً فى نهايته.
وهنا تظهر خطورة السلبية عندما يكون الإنسان مسؤولاً عن آخرين. فرب الأسرة ليس مجرد شخص يعيش داخل المنزل. وإنما هو طرف أساسى فى صناعة المناخ الذى ينشأ فيه أبناؤه. وإذا إعتاد تجاهل المشكلات الأسرية. فقد يتعلم الأبناء أن الصمت هو الحل دائماً. وقد يكبر الخطأ الصغير لأن أحداً لم يضع له حداً فى الوقت المناسب. وليس المقصود أن يتحول البيت إلى ساحة أوامر وعقوبات. وإنما المقصود أن تكون هناك عين ترى. وعقل يزن. وكلمة تقال فى الوقت المناسب. وموقف واضح عندما تستدعى الضرورة ذلك.
والأمر نفسه ينطبق على المسؤول فى العمل. فالمسؤول الذى يرى الخلل ثم يتجاهله ليس بالضرورة مسؤولاً هادئاً. وقد لا يكون متسامحاً كما يعتقد. ربما يكون قد ترك المشكلة تتقدم لأنه لا يريد تحمل تبعات القرار. والقيادة الحقيقية لا تقاس بعدد القرارات التى يصدرها المسؤول فقط. وإنما تقاس أيضاً بقدرته على إكتشاف الخلل مبكراً. ووضع الأمور فى نصابها. ومنع الخطأ من التحول إلى ثقافة. فالموظف الذى يخطئ مرة يمكن تقويمه. أما الخطأ الذى يمر دائماً بلا مراجعة فقد يتحول مع الوقت إلى سلوك معتاد. وعندها تصبح معالجة النتيجة أصعب بكثير من معالجة السبب.
وهناك مسؤولية أكثر حساسية. وهى مسؤولية الكلمة. فبعض الناس يتعاملون مع الكلام وكأنه شىء عابر. يقولون ما يشاءون. ثم يتراجعون إلى الصمت عندما تصبح الكلمة مطلوبة منهم. لكن الكلمة مسؤولية. وقول الحق يحتاج إلى شجاعة وحكمة فى الوقت نفسه. وليس المقصود أن يتدخل الإنسان فى كل صغيرة وكبيرة. وإنما أن يدرك أن هناك مواقف لا يصح فيها الصمت. وأن هناك حقيقة إذا عرفها الإنسان وأصبح معنياً بها فلا يجوز أن يتحول التجاهل عنده إلى ستار للهروب من المسؤولية.
ومع ذلك. يجب أن نكون منصفين. فليس كل صامت سلبياً. وليس كل متجاهل جباناً. وليس كل من إمتنع عن الرد عاجزاً عن الرد. هناك إنسان يصمت لأنه يعرف أن الرد سيزيد النار إشتعالاً. وهناك من يتجاهل إساءة عابرة لأنه لا يريد أن يخسر إحترامه لنفسه. وهناك من يترك جدالاً عقيماً لأنه أدرك أن الطرف الآخر لا يبحث عن الحقيقة وإنما يبحث عن الإنتصار. هذا هو التجاهل الواعى. وهو قوة لا ضعف. لأنه قائم على الإختيار. أما السلبية فهى أن يرى الإنسان ما يجب أن يتعامل معه ثم يختار عدم التعامل معه فقط لأنه لا يريد أن يتحمل مسؤولية الموقف.
الفرق إذاً ليس فى التجاهل نفسه. وإنما فى الدافع الذى يقف وراءه. لماذا تجاهلت. هل لأن الأمر لا يستحق. أم لأنك تخشى المواجهة. هل سكت لأن الكلام لن يغير شيئاً. أم لأنك لا تريد أن تدفع ثمن قول الحقيقة. هل تجاوزت الموقف لأنك أكثر نضجاً. أم لأنك تعودت أن تترك الأمور تسير وحدها. هذه الأسئلة تكشف الإنسان أمام نفسه. وقد يكون أخطر ما فى السلبية أن صاحبها يستطيع خداع الآخرين لفترة. لكنه يصعب عليه أن يخدع نتائج صمته.
الحياة لا تحتاج إلى إنسان يتدخل فى كل شىء. كما أنها لا تحتاج إلى إنسان يهرب من كل شىء. الحياة تحتاج إلى إنسان يمتلك ميزاناً داخلياً دقيقاً. يعرف متى يتكلم. ومتى يصمت. متى يواجه. ومتى يتجاوز. متى يضع حداً. ومتى يمنح فرصة. ومتى يقول هذه مسألة صغيرة لا تستحق. ومتى يقول هذه مسألة لا يجوز تجاهلها. لأن النضج الحقيقى ليس فى كثرة المواقف. وإنما فى جودة الموقف الذى تختاره.
إن أخطر ما يمكن أن يفعله الإنسان بنفسه أن يجعل التجاهل عقيدة. لأن من يعتاد تجاهل الأمور قد يفقد مع الوقت حساسية التمييز بين ما يمكن تجاوزه وما لا يمكن السكوت عنه. وقد يستيقظ ذات يوم ليجد أن أشياء كثيرة كان يستطيع إصلاحها بكلمة بسيطة قد أصبحت عصية على الإصلاح. وأن أشخاصاً كان يستطيع إحتواء غضبهم أصبحوا بعيدين. وأن أبناءه الذين كان يمكن توجيههم فى الوقت المناسب أصبحوا أكثر عناداً. وأن فريق العمل الذى كان يحتاج إلى قرار واضح أصبح يحتاج إلى معالجة أعمق. وأن كلمة الحق التى كان يستطيع قولها فى لحظتها أصبحت أكثر كلفة بعد فوات الوقت.
لذلك. لا تعلّم نفسك التجاهل على إطلاقه. علّم نفسك الفهم أولاً. ثم التقدير. ثم الإختيار. تجاهل ما يستحق التجاهل. وواجه ما يستحق المواجهة. وتكلم عندما تكون الكلمة أمانة. واصمت عندما يكون الصمت حكمة. ولا تجعل خوفك من الصدام إسمه هدوء. ولا تجعل هروبك من المسؤولية إسمه ذكاء. ولا تجعل عجزك عن إتخاذ القرار إسمه تسامحاً.
فالإنسان القوى ليس الذى يدخل كل معركة. وليس الذى يهرب من كل معركة. وإنما الذى يعرف أى معركة تستحق أن يخوضها. وأى موقف يحتاج إلى كلمة. وأى خطأ يحتاج إلى تصحيح. وأى إنسان يستحق فرصة. وأى تجاوز يمكن أن يمر دون أثر. وأى صمت قد يتحول غداً إلى شراكة فى الخطأ.
التجاهل حكمة عندما يكون إختياراً. لكنه يصبح سلبية عندما يكون هروباً. وبين الحكمة والسلبية مساحة صغيرة لا يراها إلا الإنسان الذى يملك شجاعة أن يسأل نفسه قبل أن يسأل الآخرين. هل أنا أتجاوز لأننى ناضج. أم أتجاهل لأننى لا أريد أن أتحمل المسؤولية. ففي كثير من الأحيان لا تكون المشكلة فى أن الإنسان لم ير الخطأ. وإنما فى أنه رآه بوضوح. ثم قرر أن يصمت.
