جبر الخواطر يصنع إنساناً أفضل
بقلم: المهندس. يـاسـر أبو الغـيط
هناك أشياء صغيرة فى ظاهرها. لكنها عظيمة الأثر فى حياة الإنسان. كلمة شكر صادقة. إبتسامة فى وقت مناسب. عبارة تقول لشخص أتقنت عملك. أو كلمة بسيطة مثل (برافو عليك). أو (متشكر لمجهودك). هذه الكلمات قد تبدو عابرة لمن يقولها. لكنها قد تبقى طويلاً فى قلب من يسمعها. وربما تكون سبباً فى أن يستعيد إنسان ثقته بنفسه. أو يواصل طريقاً كان يفكر فى التراجع عنه.
جبر الخواطر ليس مجاملة رخيصة. وليس توزيعاً للكلمات الطيبة بلا معنى. جبر الخاطر هو إدراك قيمة الإنسان. وهو أن تعرف أن وراء كل موظف أو عامل أو زميل أو أب أو أم أو صديق نفساً بشرية تتأثر. وتفرح. وتحزن. وتحتاج أحياناً إلى كلمة واحدة تشعرها بأن ما تفعله له قيمة.
وفى الحياة العامة. نحن نحتاج إلى جبر الخواطر أكثر مما نحتاج إلى كثير من الكلام. قد يمر الإنسان بيوم صعب ولا يخبر أحداً بما بداخله. وقد يذهب إلى عمله وهو يحمل هموماً لا يعرفها زملاؤه. ثم يجد شخصاً يقول له كلمة طيبة. فيتغير مزاجه. ويستعيد شيئاً من قدرته على الإستمرار. وربما لا يعرف صاحب الكلمة أبداً حجم الأثر الذى تركه فى نفس إنسان آخر.
لكن جبر الخواطر يصبح أكثر أهمية داخل بيئة العمل. لأن الإنسان لا يذهب إلى عمله بجسده فقط. بل يذهب بعقله ومشاعره وكرامته وإحساسه بقيمة ما يقدم. والموظف الذى يعمل بإخلاص. والعامل الذى يتقن مهمته. والإنسان الذى يحاول أن يقدم أفضل ما لديه. يحتاج إلى أن يشعر بأن مجهوده مرئى ومقدر.
ليس المطلوب من الرئيس العمل أو المسؤول أن يوزع عبارات المديح على الجميع. وليس المطلوب أن يتغاضى عن الخطأ. المطلوب فقط أن يفرق بين التصحيح والإهانة. وبين المحاسبة والتشهير. وبين الإدارة الحازمة وكسر الإنسان أمام الآخرين.
قد يكون الموظف أخطأ. ومن حق الإدارة أن تحاسبه وفق القواعد والقنوات المقررة. وقد يكون هناك تقصير يحتاج إلى معالجة. وقد تكون هناك مخالفة تستوجب التحقيق. لكن العقوبة شيء. وإهدار كرامة الإنسان أمام زملائه أو أسرته أو الآخرين شيء آخر تماماً.
فالإنسان الذى تتم إهانته أمام الناس لا يسمع فقط كلمات التوبيخ. هو يشعر أن صورته تهدمت أمام من يعرفهم. وقد يحمل هذا المشهد معه إلى منزله. وإلى أسرته. وإلى أصدقائه. وربما ظل يتذكره سنوات طويلة. والأخطر من ذلك أن من يشاهدون الإهانة قد يتعلمون درساً سلبياً من غير أن يقال لهم شيء.
الموظف الذى يرى زميله يعمل بإتقان. ثم يرى هذا الزميل يتعرض للإهانة أمام الآخرين. قد يسأل نفسه سؤالاً بسيطاً وقاسياً. لماذا أتعب نفسى؟ ولماذا أقدم أكثر مما هو مطلوب؟ إذا كانت النتيجة واحدة. وإذا كان الإنسان الذى يعطى بإخلاص يمكن أن يُهان أمام الجميع. فما الدافع إلى مزيد من العطاء؟
وهنا تتحول لحظة إهانة فرد إلى رسالة تصل إلى مجموعة كاملة. الرسالة قد تكون أخطر من الخطأ الذى بدأت بسببه المشكلة. لأنها تقتل الحافز. وتضعف الإنتماء. وتدفع البعض إلى أداء الحد الأدنى فقط. ليس لأنهم لا يستطيعون العطاء. وإنما لأنهم فقدوا الإحساس بأن العطاء يستحق التقدير.
أما كلمة الشكر. فقد تفعل العكس تماماً. كلمة (متشكر) قد تجعل الموظف يشعر أن جهده لم يذهب هباءً. كلمة (برافو عليك) قد تمنحه طاقة جديدة. الإشادة بموقف جيد قد تجعل الإنسان يكرر الموقف الجيد. والتقدير العادل قد يصنع بيئة عمل يسعى فيها الناس إلى الإنجاز. لأنهم يعرفون أن الإتقان لن يمر بلا إنتباه.
القائد الحقيقى لا يخاف من أن يقول لموظف لديه (أحسنت). ولا يرى أن الإعتراف بجهد المرؤوس يقلل من هيبته. على العكس. المسؤول الذى يعرف كيف يقدر الآخرين يملك واحداً من أهم أدوات القيادة. وهو القدرة على تحريك الإنسان من الداخل.
الهيبة لا تُبنى بالصوت المرتفع. ولا بالإهانة. ولا بإظهار القوة أمام الآخرين. الهيبة الحقيقية تُبنى بالعدل. وبالإنضباط. وبالقدرة على إتخاذ القرار. وبإحترام الإنسان حتى أثناء محاسبته.
ومن أخطر الأخطاء الإدارية أن يتحول توجيه الخطأ إلى إستعراض للقوة. فالهدف من المحاسبة هو إصلاح الخلل. وليس كسر صاحب الخطأ. وإذا كان هناك نظام للمساءلة. فليُستخدم النظام. وإذا كان هناك تحقيق. فليأخذ التحقيق مجراه. وإذا كانت هناك عقوبة. فلتكن وفق القواعد المنظمة. أما تحويل الإنسان إلى مشهد أمام الآخرين. فلا يصلح الخطأ. بل قد يصنع جرحاً جديداً.
والأمر لا يتوقف عند العمل. فجبر الخواطر قاعدة إنسانية تصلح فى البيت. وبين الأصدقاء. وبين الجيران. وفى الشارع. وفى العلاقات الإجتماعية. هناك شخص يحتاج إلى من يسمعه. وشخص يحتاج إلى من يقدر مجهوده. وشخص يحتاج إلى من يطمئنه. وشخص يحتاج فقط إلى ألا يُعامل بقسوة فى لحظة هو فيها أضعف من المعتاد.
وقد يظن البعض أن جبر الخاطر يحتاج إلى مال أو هدية أو موقف كبير. والحقيقة أن أعظم صور جبر الخاطر قد لا تكلف شيئاً. إحترام شخص أمام الآخرين. حفظ كرامته. الإستماع إليه. شكره على مجهوده. الإعتراف بفضله. عدم التقليل من شأنه. كلها أفعال بسيطة. لكنها قد تكون أثمن من أشياء كثيرة.
وفى المقابل. هناك كلمات قد تبدو عادية لمن يقولها. لكنها تترك أثراً ثقيلاً فى نفس من يسمعها. التقليل من الجهد. السخرية من المحاولة. المقارنة الجارحة. الإهانة أمام الزملاء. التشكيك الدائم فى قدرات الإنسان. كلها أمور قد تجعل الشخص يتوقف عن المحاولة. ليس لأنه فقد القدرة. وإنما لأنه فقد الرغبة.
الإنسان بطبيعته يحتاج إلى معنى لما يفعله. وعندما يشعر أن جهده بلا قيمة. يبدأ العطاء فى الإنكماش. وعندما يشعر أن إجتهاده محل تقدير. يبدأ فى البحث عن مزيد من الإتقان. ولهذا فإن جبر الخاطر ليس مجرد قيمة أخلاقية جميلة. بل يمكن أن يكون أيضاً قيمة إدارية وإنتاجية وإجتماعية.
وفى الإدارة تحديداً. هناك فرق كبير بين أن تجعل الموظف يعمل خوفاً منك. وأن تجعله يعمل إحتراماً للمكان الذى ينتمى إليه. الخوف قد يدفع الإنسان إلى تنفيذ التعليمات لفترة. لكنه لا يصنع بالضرورة إبداعاً أو إنتماءً. أما التقدير. فيجعل الإنسان يشعر بأن نجاحه جزء من نجاح المؤسسة التى يعمل فيها.
ولذلك فإن المسؤول الذى يريد رفع مستوى الأداء لا ينبغى أن يبحث فقط عن الأخطاء. عليه أيضاً أن يبحث عن الجهود التى تستحق أن تُرى. لا ينبغى أن يكون المسؤول حاضراً فقط عندما يقع الخطأ. بل يجب أن يكون حاضراً أيضاً عندما يتحقق النجاح.
فإذا أخطأ الإنسان. صحح له خطأه. وإذا قصر. حاسبه وفق القواعد. وإذا تجاوز. إتخذ الإجراء المناسب. لكن إذا أحسن. فلا تبخل عليه بكلمة طيبة. لأن العدالة ليست أن ترى الخطأ فقط. العدالة أن ترى النجاح أيضاً.
إن جبر الخواطر لا يعنى أن نترك الخطأ بلا حساب. ولا يعنى أن يتحول العمل إلى مجاملات. ولا يعنى أن نساوى بين المجتهد والمقصر. بل يعنى أن نحاسب الإنسان دون أن نهدمه. وأن نصحح دون أن نهين. وأن نختلف دون أن نجرح. وأن نستخدم السلطة لإصلاح الأداء. لا لإثبات أننا الأقوى.
وربما يحتاج بعض المسؤولين إلى أن يتذكروا حقيقة بسيطة. الشخص الذى يقف أمامهم ليس مجرد رقم فى كشف الحضور. وليس مجرد إسم فى ملف. وليس مجرد موظف ينفذ التعليمات. إنه إنسان له بيت. وله أسرة. وله تاريخ. وله أحلام. وله كرامة. وقد يكون يحمل فى داخله ما لا يعرفه أحد.
ولهذا فإن كلمة واحدة من مسؤول قد تصنع موظفاً أفضل. وكلمة أخرى قد تصنع موظفاً محبطاً. تصرف واحد قد يفتح باباً للعطاء. وتصرف آخر قد يغلق هذا الباب سنوات.
جبر الخواطر ليس ضعفاً. بل قوة أخلاقية. وليس تنازلاً عن الحزم. بل هو الصورة الأكثر نضجاً للحزم. فالقوى حقاً هو من يستطيع أن يحاسب دون أن يهين. وأن يرفض دون أن يجرح. وأن يوجه دون أن يكسر. وأن يمنح التقدير لمن يستحقه دون أن يشعر أن ذلك ينتقص من مكانته.
فلننتبه إلى الكلمة قبل أن نقولها. وإلى الموقف قبل أن نفعله. وإلى أثر السلطة عندما تكون فى أيدينا. فربما يكون الإنسان الذى نقابله اليوم فى حاجة إلى جبر خاطر أكثر مما نتصور.
وقد لا نستطيع أن نغير حياة إنسان كاملة. لكننا نستطيع أحياناً أن نخفف عنه يوماً ثقيلاً. وقد لا نملك علاج كل مشكلاته. لكننا نملك كلمة طيبة. وإحتراماً صادقاً. وتقديراً مستحقاً.
وهذه الأشياء الصغيرة. حين تخرج من قلب صادق. قد تصنع فرقاً كبيراً.
فجبر الخواطر ليس تفصيلاً هامشياً فى الحياة. إنه أحد وجوه الإنسانية. وأحد مقاييس رقى الإنسان. وأحد أهم مفاتيح النجاح فى العمل والعلاقات. ومن يعرف قيمة جبر الخاطر. يعرف أن الإنسان قد ينسى كثيراً مما قيل له. لكنه نادراً ما ينسى من حفظ كرامته فى وقت كان فيه محتاجاً إلى من يحفظها.
